شباب الختمية

منتدى شباب الختم يتناول قضايا الشباب وفعالياتهم


    تبرئة الحلاج في أخبار وسنن القرآن ... الفصل الأخير

    شاطر
    avatar
    Admin
    Admin

    المساهمات : 1949
    تاريخ التسجيل : 10/01/2008

    تبرئة الحلاج في أخبار وسنن القرآن ... الفصل الأخير

    مُساهمة  Admin في الثلاثاء مارس 27, 2012 12:54 am

    تبرئته في سنن القرآن :
    يقول المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم قال : ( من أراد العلم فليثور القرآن فإن فيه علم الأولين والآخرين ) ، رواه البيهقي في "شعب الإيمان" و البيهقي لا يروي الضعيف ، والهيثمي في "مجمع الزوائد" ، وقال رجاله ثقات ، والذهبي في " المعجم الكبير" ...
    ويقول صلى الله عليه وسلم : ( ألا إنها ستكون فتنة ، فقيل : ما المخرج منها يا رسول الله ؟ قال : كتاب الله فيه نبأ ما قبلكم ، وخبر ما بعدكم ، وحكم ما بينكم ، وهو الفصل ليس بالهزل من تركه من جبار قصمه الله ، ومن ابتغى الهدى في غيره أضله الله ، وهو حبل الله المتين ، وهو الذكر الحكيم ، وهو الصراط المستقيم . هو الذي لا تزيغ به الأهواء ، ولا تلتبس به الألسنة ، ولا يشبع منه العلماء ، ولا يخلق عن كثرة الرد ، ولا تنقضي عجائبه . هو الذي لم تنته الجن إذ سمعته حتى قالوا : إنا سمعنا قرآنا عجبا يهدي إلى الرشد فآمنا به . من قال به صدق ، ومن عمل به أجر ، ومن حكم به عدل ، ومن دعا إليه هدي إلى صراط مستقيم . خذها إليك يا أعور ) ، رواه الترمذي في "سننه" ، و ابن كثير في " فضائل القرآن" ، وقال : حسن صحيح ...
    وفي رواية أخرى لعلي كرم الله وجهه : ( و الذي بعثني بالحق نبياً لتفترقن أمتي عن أصل دينها وجماعتها إلى اثنتين وسبعين فرقة كلها ضالة مضله يدعون إلى النار ، فإن كان ذلك فعليكم بكتاب الله عز وجل فإن فيه نبأ من كان قبلكم ، ونبأ ما يأتي بعدكم ، وحكم ما بينكم ، من خالفه من جبار قصمه الله ، ومن ابتغى العلم بغيره أضله الله عز وجل ، وهو حبل الله المتين ، ونوره المبين ، وشفاؤه النافع ، وعصمة من تمسك ، ونجاة من تبعه ، لا يعوج فيقوم ، ولا يزيغ فيستقيم ، ولا تنقضي عجائبه ، ولا يخلقه كثرة الترديد ) ، ورد في كتاب "الإحياء" للغزالي { ربع العبادات الكتاب الثامن } ...
    وأما ما حدث مع الحلاج فيمكن استنباط سننه من القرآن الكريم ومطابقة كتوافق سنن في سورة "يس" ...
    لقوله صلى الله عليه وآله وسلم : ( إن لكل شيء قلبا ، وقلب القرآن "يس" ) رواه الترمذي في "سننه" وفي "تهذيب التهذيب" ...
    فلكتاب الله خصوصية ظاهرة وعمومية باطنه في المقاصد وهنا هي التوافقية بين سنن القرآن وما حدث مع الحلاج من فعل وردت فعل وفق القوانين الإلهية ...
    يقول المصطفى صلى الله عليه وسلم : ( إن للقرآن ظاهر وباطن ، وحداً ومطلعا ) ، رواه ابن حبان في "صحيحة" ، و الحافظ العراقي في "تخريج أحاديث الإحياء" ...


    يقول الله تعالى : ( وَاضْرِبْ لَهُم مَّثَلاً أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ إِذْ جَاءهَا الْمُرْسَلُونَ ۞ إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ فَقَالُوا إِنَّا إِلَيْكُم مُّرْسَلُونَ ۞ قَالُوا مَا أَنتُمْ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُنَا وَمَا أَنزَلَ الرَّحْمن مِن شَيْءٍ إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ تَكْذِبُونَ ۞ قَالُوا رَبُّنَا يَعْلَمُ إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ ۞ وَمَا عَلَيْنَا إِلاَّ الْبَلاَغُ الْمُبِينُ ۞ قَالُوا إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ لَئِن لَّمْ تَنتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ وَ لَيَمَسَّنَّكُم مِّنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ ۞ قَالُوا طَائِرُكُمْ مَعَكُمْ أَئِن ذُكِّرْتُم بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ مُّسْرِفُونَ ۞ وَجَاء مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى قَالَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ ۞ اتَّبِعُوا مَن لاَّ يَسْأَلُكُمْ أَجْراً وَهُم مُّهْتَدُونَ ۞ وَمَا لِي لاَ أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ۞ أَأَتَّخِذُ مِن دُونِهِ آلِهَةً إِن يُرِدْنِ الرَّحْمَن بِضُرٍّ لاَّ تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئاً وَلاَ يُنقِذُونِ ۞ إِنِّي إِذاً لَّفِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ ۞ إِنِّي آمَنتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ ۞ قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ قَالَ يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ ۞ بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ ) [يس :13-27] صدق الله العظيم ...
    فضرب المثل في الآيات أعلاه يدل على حالة مطلقه غير مقيده بجهة معينة ويكمن أن تسن في أي زمن ...
    ( وَاضْرِبْ لَهُم مَّثَلاً أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ إِذْ جَاءهَا الْمُرْسَلُونَ ) [يس : 13] ...
    والقرية هنا هي كل تجمع سكاني بسيط أو خالي من الترف الحضاري ...
    وهي مظهر الدولة الإسلامية وهي في أوجها حيث أن المسلمين كانوا أخرويين لا ركون لهم إلى الدنيا في ذاك الوقت ؟ !! ...
    ولكن مع توسع الفتوحات واستقرار الدولة ، والاستقرار و الإقرار هو قصد ثاني لكلمة قرية في الآية من الجانب التأويلي المعنوي للآية ...
    هنا توافد لقلب دولة الإسلام العلماء و الأدباء من الدول التي خضعت للفتح الإسلامي ومن بينهم علماء جاءوا بأفكار وعقائد فلسفية مغايرة لما كان ثابت عند المسلمين ، لذلك فإن أصحاب القرية ، وهم أصحاب العقائد الثابتة أو المستقرة ، بدأت ثوابتهم في الأصول تتغير ؟ !!! ...
    ( إِذْ جَاءهَا الْمُرْسَلُونَ ) و المرسلين هنا تشمل العدو المفسد المرسل من قبل من عجزوا بالسيف فأعملوا اللسان للنيل من الأمة ؟؟ !!! ...
    و هم الذين جاءوا بهذه العقائد الفاسدة واستقطبوا عامة الناس وحركوا هذا الفساد ، مثل عقائد المعتزلة و المرجئة و القدرية و الجبرية ..... الخ ...

    و المرسلين هي أيضاً إشارة إلى المصلحين الذين تحرك بوازع ديني ، ومحرك رباني خفي بواعظ الضمير الديني الإيماني لإيقاف هذا الترف و الفساد الفكري ...
    قال النبي صلى الله عليه وسلم : ( لقد كان فيمن كان قبلكم من بني إسرائيل رجال ، يكلمون من غير أن يكونوا أنبياء ، فإن يكن من أمتي منهم أحد فعمر ) ، رواه البخاري في "صحيحة" ...
    ( إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ فَقَالُوا إِنَّا إِلَيْكُم مُّرْسَلُونَ ) [يس : 14] ...
    والاثنين كانا هم السري السقطي وابن أخته تاج العارفين "أبو القاسم الجنيد" رحمهما الله اللذان اختصا في إصلاح العقيدة و السلوك ، ولكن لم يتثنى لهم إنقاذ الموقف ، فعزز الله الموقف برجل ثالث مصلح جامع تتلمذ عند المحاسيبي في العقائد وعند الجنيد بالسلوك ...
    وهو ابن البغوي " أبو الحسين النوري" رحمه الله ...
    هنا جاهر الرسل برسالتهم بإصلاح الترف الفكري ( فَقَالُوا إِنَّا إِلَيْكُم مُّرْسَلُونَ ) ...
    ولكن الأمر بالحقيقة تعدى الترف الفكري إلى الترف المادي ، فأصبح الإصلاح ضد مصالح العباد وخصوصاً المترفين من الأغنياء و التجار وأعوان السلطة وهم أول الفساق ...
    لقوله تعالى : ( وَإِذَا أَرَدْنَا أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُواْ فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيراً ) [الإسراء : 16] ...
    فوصل الإصلاح عند ابن البغوي إلى الخليفة ؟؟ !!!
    روى ابن عساكر في تاريخ دمشق أن المحتسب أبا الحسين النوري حطم دنانخمر كانت مرسلة إلى الخليفة العباسي "المعتضد" ، و أوقفوه بين يديه ، فقال له : لماذا حطمت الدنان ؟ ، قال أنا "المحتسب" وهذا عملي ، قال الخليفة : ومن دلاكالحسبة(1)؟ قال : من دلاك الخلافة ، فأطرق الخليفة قليلاً ،ثم قال له : اذهب ، فقد أطلقت يدك ، فغير ما أحببت أن تغيره من المنكر...
    (1) الحسبة : هي الأمر بالمعروف و النهيعن المنكر ...

    فكانت المفاجأة برفض الإصلاح من قبل الفساق المنافقين الذين من المفترض أنهم مؤمنين الذين عللوا رفضهم بأن الدين تام وأن الرحمن أبطل الوحي بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، (وَمَا أَنزَلَ الرَّحْمن مِن شَيْءٍ ) ، وهو إقرار بوجود الله وكونه إله رحمة أيضاً ...
    ( قَالُوا مَا أَنتُمْ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُنَا وَمَا أَنزَلَ الرَّحْمن مِن شَيْءٍ إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ تَكْذِبُونَ ) [يس : 15] ...
    وهنا الإشارة إلى المثلية تدل على الكبر وسيطرة الهوى كفساد سلوكي إضافة للترف الفكري الذي قوى النفاق وشيوع المهلكات ...
    يقول صلى الله عليه وسلم : ( ما أخاف على أمتي إلا ثلاثا : شح مطاع ، وهوى متبع ، وإمام ضلال ) ، صححه الألباني في "السلسلة الصحيحة" ...
    وسبب التكذيب العام الفكري هو افتتان المسلمين بذلك الوقت بالفلسفة الفارسية ، كون أكثر العلماء كانوا من فارس ...
    يقول الفاروق الأكبر رضي الله عنه في شأن بلاد فارس : ( وددت لو كان بيني وبينهم جبل من نار لا يدخلون إلي و لا أخرج إليهم ) أو كما قال رضي الله عنه ...
    يقول الله تعالى : ( إِذَا جَاءكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ ) [المنافقون : 1] ...
    ونعود الآن إلى تسلسل الآيات ...
    ( قَالُوا رَبُّنَا يَعْلَمُ إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ ۞ وَمَا عَلَيْنَا إِلاَّ الْبَلاَغُ الْمُبِين ) [يس :16-17] ...
    ( قَالُوا رَبُّنَا يَعْلَمُ إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ ) من خلال ما نزل في الكتاب الكريم ...
    ( وَمَا عَلَيْنَا إِلاَّ الْبَلاَغُ الْمُبِين ) وأن دعوتنا مبنية على أصول الدين وهو القرآن و السنة ...
    لقوله تعالى : ( قُلْ هَـذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَاْ وَمَنِ اتَّبَعَنِي ) [يوسف : 108] ...
    وبيانه قوله تعالى : ( ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ ) [النحل : 125] ...
    ( قَالُوا إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ لَئِن لَّمْ تَنتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ وَ لَيَمَسَّنَّكُم مِّنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ )[يس : 18] ...
    هنا لم يعد للحوار جدوى عند فساق الأمة من أصحاب المصالح بما في ذلك رجال الدين المداهنين للسلطة ...
    فأظهروا فجورهم وضيقهم ، وهددوا المصلحين بالرجم وهو الإقصاء و الإبعاد عن ساحة الدعوة بالسجن ...
    أو القتل قصاصاً وهو في الآية المس بالعذاب الأليم ، لأن الموت قتلا هو ذوق لعذاب مركز آني ...
    لقوله تعالى : ( كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ) [الأنبياء : 35] ...
    وبالفعل حدث ذلك في عهد الخليفة العباسي "المعتمد" حيث سجن الدعاة بتهمة الزندقة وكادت تضرب أعناقهم لولا دفاع الله عنهم وتهيئة أسباب النجاة ...
    ( وقد ساح النوري إلى الشام ، وأخذ عن أحمد بن أبي الحواري ، وقد جرت له محنة ، وفر عن بغداد في قيام غلام خليل على الصوفية ، فأقام بالرقة مدة متخليا منعزلا . حكى ذلك أبو سعيد بن الأعرابي ، قال : ثم عاد إلى بغداد وقد فقد جلاسه وأناسه وأشكاله ، فانقبض لضعف قوته ، وضعف بصره .
    وقال أبو نعيم : سمعت عمر البناء البغدادي بمكة يحكي محنة غلام خليل ، قال : نسبوا الصوفية إلى الزندقة ، فأمر الخليفة المعتمد في سنة أربع وستين ومائتين بالقبض عليهم ، فأخذ في جملتهم النوري ، فأدخلوا على الخليفة ، فأمر بضرب أعناقهم ، فبادر النوري إلى السياف ، فقيل له في ذلك ، فقال : آثرت حياتهم على نفسي ساعة ، فتوقف السياف عن قتله ، ورفع أمره إلى الخليفة ، فرد الخليفة أمرهم إلى قاضي القضاة إسماعيل بن إسحاق ، فسأل أبا الحسين النوري عن مسائل في العبادات ، فأجاب ، ثم قال : وبعد هذا ، فلله عباد ينطقون بالله ، ويأكلون بالله ، ويسمعون بالله . فبكى إسماعيل القاضي ، وقال : إن كان هؤلاء القوم زنادقة ، فليس في الأرض موحد . فأطلقوهم ) ورد في "سيرأعلام النبلاء" للذهبي { ج 14 / ص : 71 } ...

    لقوله تعالى : ( إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ ) [الحج : 38] ...
    وقوله عز من قائل : (كَذَلِكَ حَقّاً عَلَيْنَا نُنجِ الْمُؤْمِنِينَ ) [يونس : 103] ...
    ( قَالُوا طَائِرُكُمْ مَعَكُمْ أَئِن ذُكِّرْتُم بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ مُّسْرِفُونَ ) [ يس : 19] ...
    هنا كان جواب المصلحين إن ما يكدركم يذهبه الإيمان الحق و التقوى بالاستقامة ، لكنكم قوم سيطر على قلوبهم حب الدنيا ، لأنهم بنوا آمالهم عليها وأسرفوا ذلك فانشغلوا عن الله ...
    يقول تعالى : ( وَذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُواْ دِينَهُمْ لَعِباً وَلَهْواً وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَذَكِّرْ بِهِ أَن تُبْسَلَ نَفْسٌ بِمَا كَسَبَتْ لَيْسَ لَهَا مِن دُونِ اللّهِ وَلِيٌّ وَلاَ شَفِيعٌ وَإِن تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لاَّ يُؤْخَذْ مِنْهَا أُوْلَـئِكَ الَّذِينَ أُبْسِلُواْ بِمَا كَسَبُواْ لَهُمْ شَرَابٌ مِّنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُواْ يَكْفُرُونَ ) [الأنعام : 70] ...
    هنا توقف الدعاة عن دعوتهم بعد أن غلب الترف والركون إلى الدنيا على أهل الدنيا ...
    ولكن مع تتبع الآيات نجد القرية أصبحت مدينة ( وَجَاء مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ ) أي أن الترف تجاوز الفكر إلى الترف المادي ...
    و الحلاج هنا في الآيات هو الرجل الذي يسعى ( وَجَاء مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى قَالَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ ) ...
    وسعيه أنه عندما حقق الجمع بين العلم و الولاية إنصبغ قلبه وكيانه بمعاني الرحمة لقربة وموافقته لربه فأراد أن يعكس هذه السعادة على من ضل من أمة محمد ...
    وسعوه الغيري هو الإصلاح الديني الذي أفسده المضلين من أعداء الإسلام ...
    يقول محمد بن خفيف في مقام الحلاج : ( الحسين بن منصور عالم رباني ) ، ورد في "طبقات الصوفية" للسلمي { ص : 308} ...
    لقوله تعالى : (وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِّمَّن دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ ) [فصلت : 33] ...

    أما فحوا دعوته فتبينها الآيات : ( وَمَا لِي لاَ أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ۞ أَأَتَّخِذُ مِن دُونِهِ آلِهَةً إِن يُرِدْنِ الرَّحْمَن بِضُرٍّ لاَّ تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئاً وَلاَ يُنقِذُونِ ) [يس :22-23] ...
    العبادة هنا من التعبد ، وهي الإخضاع و التطويع ...
    نقول طريق معبد أي مطوع ...
    وكانت عند الحلاج هي إخلاص العبادة لله وحده بالتفريد وإخلاص الوجه له سبحانه ...
    أو وحدة الشهود التي تعني "شهود الحق بلا خلق" أو "شهود المؤثر بدون أثر" وهو الفناء بالله ...
    يقول الحلاج في التفريد : ( لا يجوز لمن يرىأحد ، أو يذكر أحداً ، أن يقول : إني عرفت الأحد ، الذي ظهرت منه الآحاد ) ورد في "طبقات الصوفية" للسلمي { ص : 310} ...
    يقول الله تعالى : ( وَمَنْ أَحْسَنُ دِيناً مِّمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لله وَهُوَ مُحْسِنٌ واتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً وَاتَّخَذَ اللّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلاً ) [النساء : 125] ...
    وإبراهيم كمعنى تعني من "أبر الله هيامه" بالفناء به فأبقاه الله خليلاً أي تخلل نور قدسيته تعالى في ذاتية الإنسان المؤمن المحسن فسيطر عليها وملكها فلم يبقى به حي إلا هو ...
    وهنا تكمن حقيقة العبودية و هي : ( فناء المريد وما يريد بالمراد وما أراد ) ...
    فهو الذي ملك قلوب العارفين فأحرقها بنور هيبته ...
    وهو الذي ملك قلوب العاشقين فأغرقها بنور محبته ...
    وهو الذي ملك قلوب الصديقين فأزهقها بنور رحمته ...
    و نرجع إلى سياق الآيات ...
    فالذي فطرني ، أي أنشأني من العدم ، ومنه أخذت تسمية نبات الفطر لأنه ينبت في الأرض من دون بذرة أو اثر إنشائي محسوس ...
    وإليه ترجعون أي عائديه الخلق بالكلية لله رب العالمين ، وهنا يتجسد مفهوم "وحدة الشهود" ...
    أي الإنشاء من العدم ، ومرجعية الإنشاء و الخلق لله وحده ...
    وهو مقصد الحلاج في قوله : ( ما في الجبة سوى الحق )أي جعل من نفسه مثل أعلى للمرجعية إلى الله و الفناء والبقاء به سبحانه ...
    وهي مفهوم "لا إله إلا هو "
    ويؤيد ذلك قوله تعالى : ( كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ ۞ وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ ) [الرحمن : 27] ...
    و تتجسد هذه الحقيقة عياناً يوم القيامة في قوله تعالى : ( يَوْمَ هُم بَارِزُونَ لَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ لِّمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ ) [غافر : 16] ...
    و مع تتبع الآيات : ( أَأَتَّخِذُ مِن دُونِهِ آلِهَةً إِن يُرِدْنِ الرَّحْمَن بِضُرٍّ لاَّ تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئاً وَلاَ يُنقِذُونِ ) ...
    أي أأرجع مصيري لغير الله ...
    كلمة إله مأخوذة من المآل أي المرجع فالإله هو الذي آل له كل شيء وهو القائم على كل شيء المتحكم بكل شيء ...
    ويبين هذه الآية قوله تعالى : ( قُلْ مَن رَّبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ قُلِ اللّهُ قُلْ أَفَاتَّخَذْتُم مِّن دُونِهِ أَوْلِيَاء لاَ يَمْلِكُونَ لِأَنفُسِهِمْ نَفْعاً وَلاَ ضَرّاً قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُمَاتُ وَالنُّورُ أَمْ جَعَلُواْ لِلّهِ شُرَكَاء خَلَقُواْ كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ قُلِ اللّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ ) [الرعد : 16] ...
    و الآلهة في زمن الحلاج هو تلك التعلقات الدنيوية التي سيطرت على المجتمع الإسلامي من تعشق للمال و السلطة ... الخ ..
    ولكن سيطرت هذه التعلقات على أصحاب الترف المالي و أصحاب السلطة بالدرجة الأولى ...
    وهنا وجد الحلاج بأنه إذا أذعن ، وسكت عن هذا الطغيان سوف يكون بضلال كبير ( إِنِّي إِذاً لَّفِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ ) ...
    هنا أظهر الحلاج معارضته بشكل واضح ضد أصحاب السلطة و المال الفاسدين ( إِنِّي آمَنتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ ) ...
    فكادوا له وقتلوه لقوله تعالى : ( قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ قَالَ يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ ۞ بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ ) [يس :26-27] صدق الله العظيم ...
    فيروى أن الحلاج ناجى ربه وهو في يعد للقتل ؟؟ !!! ، قائلاً : ( يا رب إني أضحيت بين الناس غريب ، وإن ذكرك أضحى بينهم غريب ، و لا يأوي الغريب إلا الغريب ) ...
    عن إبراهيم بن شيبان قال : ( دخلت على ابن سريج يوم قتل الحلاج ، فقلت :
    يا أبا العباس ، ما تقول في فتوى هؤلاء في قتل هذا الرجل ؟؟! ...
    قال : لعلهم نسوا قول الله تعالى : ( َتَقْتُلُونَ رَجُلاً أَن يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ ) [غافر : 28] ) ، ورد في "نفحات الأندلس" للجامي { ص : 245 } ...
    يقول الله تعالى : ( وَقَالَ رَجُلٌ مُّؤْمِنٌ مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلاً أَن يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جَاءكُم بِالْبَيِّنَاتِ مِن رَّبِّكُمْ وَإِن يَكُ كَاذِباً فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَإِنيَكُ صَادِقاً يُصِبْكُم بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ ) [غافر : 28] ...
    (وَقَالَ رَجُلٌ مُّؤْمِنٌ مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ ) وهنا ابن السريج ممثل قضاة الشافعية ، وأبو العباس بن عطاء يمثل القضاة الحنبلية الذين منعوا من التحكيم لعدالتهم وإيمانهم بصدق الحلاج ...
    ومعنى كلمة فرعون أي "من فر من عون الله بطغيان نفسه عليه وغلبة تبعيته للشيطان"
    لقول الله تعالى : ( اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى ) [طه : 24] ...
    أما آل فرعون هم فجرة السلطة في الدولة من قضوا على الحلاج بالقتل غيلة بعد أن ثار أعوانه ...
    ومع تتابع الآيات (َمَا أَنزَلْنَا عَلَى قَوْمِهِ مِن بَعْدِهِ مِنْ جُندٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَمَا كُنَّا مُنزِلِينَ ۞ إن كَانَتْ إِلاَّ صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ خَامِدُونَ ) [يس :28-29] ...
    فقد تتابعت الأحداث منذ ذلك الحين وبدأت الدولة العباسية بالتراجع كسلطة حتى لم تعد تتجاوز سلطتها العراق ثم بغداد وأصبحت سلطة الخليفة على العالم الإسلامي صورية ...
    يقول الله تعالى : (وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَ بَآؤُوْاْ بِغَضَبٍ مِّنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُواْ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ذَلِكَ بِمَا عَصَواْ وَّكَانُواْ يَعْتَدُونَ ) [البقرة : 61] ...
    وانتهى الأمر بغضب الله عندما جاء سوط الله في الأرض هولاكو وجيشه البربري فسحق رفات الخلافة بشكل نهائي ...
    و الحمد لله رب العالمين ..


    _________________
    خليفتي كذاتي
    avatar
    Admin
    Admin

    المساهمات : 1949
    تاريخ التسجيل : 10/01/2008

    معضلة الحلاج بين الواقع و التلفيق ( ج 1 / ف 1)

    مُساهمة  Admin في الأربعاء مارس 28, 2012 6:37 pm

    النشأة الدينية للحلاج
    ولد أبو المغيث الحسين بن منصور الحلاج عام 244 هـ في قرية الطور في الشمال الشرقي من مدينة البيضاء ، في الجنوب الغربي من إيران ، ولقب بالحلاج لأن أبوه كان حلاج قطن دعته مهنته إلى التنقل حتى استقر في مدينة "واسط" ، التي نشأ فيها أبو المغيث ليتعلم القراءة والقرآن و النحو و الصرف في مدرسة قرآنية معروفة حيث حفظ القرآن وهو ابن عشر ...كانت طفولته طفولة الصالحين حيث ما أحب اللهو قط بل كان منذ نعومة أظفاره كثيرة العبادة و التفكر ؟؟ !!! ...ثم تتلمذ الحلاج عند العارف بالله "ٍسهل بن عبد الله التستري" طيب الله ثراه ، وهو في عمر الستة عشر ، لمدة عامين في الفترة الواقعة ما بين ( 260-262 هـ ) ، ومن المعروف أن سهل التستري كان عالماً في أصول التوحيد و التفسير ، وعلم السلوك "تزكية النفس" أو التصوف ...ومن أقوله رضي الله عنه في التوحيد عندما سئل عن الله فقال :ذات موصوفة بالعلم غير مدرَكـَةٍ بالإحاطة ولا مرئية بالأبصار في دار الدنيا ، وهي موجودة بحقائق الإيمان من غير حد ولا حلول ، تراه العيون في العقبى ظاهراً في ملكه وقدرته ، وقد حجب الله سبحانه الخلق عن معرفة كنه ذاته ودلهم عليه بآياته ، فالقلوب تعرفه والأبصار لا تدركه و التستري إمام متحقق أجمع العلماء على عدالته ...وهو من الأقلاء الذين خصوا بحقيقة المشاهدة كعارف بالله توج بالولاية حيث نال مرتبة "السجود القلبي" ...
    وهذه الهبة الربانية لا يدركها إلا من أدرك الولاية ثم صبغ قلبه بمعاني حقيقة التوحيد ...وسجود القلب مرحلة ما بعد خشوع القلب الذي يعني السكون مع الله و السمو به ...
    يقول صلى الله عليه وسلم : ( إن من خيار أمتي قوما يضحكون جهرا من سعة رحمة الله ويبكون سرا من خوف عذابه أبدانهم في الأرض وقلوبهم في السماء [ إي في سمو بالله عن الدنيا زهاده ] أرواحهم في الدنيا وعقولهم في الآخرة [ بالإنابة إلى دار الخلود ] يتمشون بالسكينة ويتقربون بالوسيلة ) <i>رواه الحاكم في "مستدركه" و البيهقي في "شعب الإيمان" ، وإسناده ضعيف ولكن يحسنه شواهده ولأن البيهقي لا يروي الضعيف ...أما سجود القلب فهو خبت القلب فناءاً بوحدة الشهود تعظيماً لله المشهود لقدرته وقهره وهو عين الإخلاص ...يقول الله تعالى :وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ اللَّهَ لَهَادِ الَّذِينَ آمَنُوا إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ ) [الحج : 54]
    يقول العارف بالله سهل بن الله التستري : الدنيا جهل وموات إلا العلم ، و العلم كله حجة إلا العمل به ، و العمل كله هباء إلا الإخلاص ، والإخلاص على خطر عظيم حتى يختم به ) ...وفي الخبر المرسل عن سهل التستري أيضاً : (الناس هلكى إلا العالمون ، و العالمون هلكى إلا العاملون ، والعاملون هلكى إلا المخلصون ، والمخلصون على خطر عظيم ) ، أورده السيوطي في "النكت" ... وورد في "اقتضاء العلم "ويقول باب مدينة العلم كرم الله وجهه : المخلصين على خطر عظيم ، ما لم يبلغوا حق اليقين ، ويؤمنوا بالله العظيم ) ... وهذا يعني أن الحلاج نشأ نشأة دينية صحيحة عند هذا العالم الرباني ...
    ثم انتقل الحلاج إلى البصرة مدينة العلم و الدين ، ليأخذ من أستاذه و شيخه الجديد الحنبلي الإمام المحدث الورع " عمرو بن عثمان المكي " طيب الله ثراه ، و الذي تتلمذ وأعني عمرو المكي على يد الإمام البخاري في الحديث الشريف فأخذ الحلاج عنه الورع و الدقة في نقل السنة الشريفة ...وكان عمراً هذا متمكن في الفقه متحقق في علم السلوك "التصوف" أي كان معتدل بالجمع بين التزكية و التفقه ...وفق ميزان الإمام الفقيه مالك رضي الله عنه الذي يقول : ( من تصوف ولم يتفقه فقد تزندق ، ومن تفقه ولم يتصوف فقد تفسق ، ومن جمع بينهما فقد تحق ، ورد في "شرح عين العلم وزين الحلم" للإِمام مُلا علي القاري { ج1/ ص :33 } ، و ورد في شرح الإمام الزرقاني في "الفقه المالكي" { ج3 / ص</ : 95 }
    ويقول الإمام الورع التقي "عبد القادر الجيلاني" : ( كل حقيقة لا تشهد لها الشريعة فهي زندقة. طِرْ إِلى الحق عز وجل بجناحي الكتاب والسنة، ادخل عليه ويدك في يد الرسول صلى الله عليه وسلم ) ، ورد في "الفتح الرباني" للشيخ عبد القادري الجيلاني { ص : 29}
    لذلك فقد كان تاجراً معروفاً في البصرة ..عاملاً بالأثر القائل Sad ليس خيركم من ترك الدنيا للآخرة و لا الآخرة للدنيا ، ولكن خيركم من أخذ من هذه و هذه ) ، أورده الماوردي في "أدب الدنيا و الدين" ...
    وقد أخذ الحلاج منه أصول الحديث الشريف ، والفقه الحنبلي ، وعلم التزكية و السلوك " التصوف" الذي بويع به وأعني عمرو المكي شيخاً على الحجاز ببيعة من إمام الطائفتين "أبو القاسم الجنيد " قدس سره ، وهو من الأئمة العدول ...وقام الإمام عمرو بتربية وتزكية الحلاج مع الاعتدال ، ثم أرسله إلى مكة عاماً كاملاً ليقوي الحلاج إيمانه وتقواه و يبعده عن ما شغله في البصرة ...ولم يرسله معلمه إلى مكة إلا بعد أن تزوج من ابنة كاتب الوزير " أبو يعقوب الأقطع البصري" ، وهو من آل الكرنبائي الذين دعموا "ثورة الزنج" المحرومين المناوئة للخلافة العباسية ...و التي ارتبط الحلاج بها فيما بعد عندما عاد إلى الأهواز ؟!!! ...
    بدأ الحلاج بدعوته الإصلاحية السلوكية ضد الترف الفكري و المادي السائد في ذلك الزمان بعد عودته من مكة ؟!!..تأسياً بالحملة التي أطلقها خال الجنيد البغدادي وأستاذه "السري السقطي" الذي كان يقول : ( إياكم وقراء الأسواق وجيران الأغنياء وعلماء الأمراءوقد كانت علاقة الحلاج مع آل الكرنبائي التي دعمت ثورة العبيد أو الزنج المحرومين ، موضع حرج لعمرو المكي ، إضافة لاعتبارات مسلكية سيطرت على شخصية الحلاج حيث توقد ذكائه الحر مع دخوله سن العشرين ، وبدأت بنية الداعية المصلح تترسخ في شخصيته ، وقد أدرك الحلاج معارضة شيخه عمرو لهذا السلوك ، فهجره وترك البصرة متوجهاً إلى بغداد عام 264 هـ ، وهو يشبه في شبابه شخصية حجة الإسلام "أبو حامد الغزالي" طيب الله ثراه المتمردة لكن الحلاج كان يطالب بالإصلاح وتحقيق الصلاح الذاتي الذي ينشده كل من ابتغى الولاية لله...
    ليلتقي بمعلمه الثالث الإمام الجنيد رضي الله عنه ...
    وهنا بدأت دعوة الحلاج الإصلاحية العقائدية ضد المترفين المفسدين و المداهنين متملقي السلطة من علماء الرسوم ، ولكن التوقيت كان خاطئ بالدعوة ؟!!!يقول الله تعالى : ( هُنَالِكَ الْوَلَايَةُ لِلَّهِ الْحَقِّ هُوَ خَيْرٌ ثَوَاباً وَخَيْرٌ عُقْباً ) [الكهف : 44]
    هنالك هي إشارة للبعيد وهي من الناحية المعنوية تدل على أن تحقيق الولاية الحقة أمر بعيد المنال يستلزم التفاني في جنب الله ، ومن الناحية المادية هي إشارة للآيات البعيدة في السورة وهي الآية : 37 و 38 بسم الله الرحمن الرحيم : (قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يحَاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلاً۞لَّكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي وَلَا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَداً ) [الكهف :37-38]وهذه الآيات تشير إلى مكنون الحوار بين الحلاج و المترفين والذي انتهى بقول الحلاج :{ ما في الجبة سوى الحق } إشارة إلى أنه نسب الفضل بالكلية لله وحده ، وجعل كل ما عدا الله باطل وهو "عين الشكر" عند أهل الصلاحلَّكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي وَلَا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَداً ) [الكهف ، وهذه الولاية لله الحق في الآية 44 ويوثق ذلك أكثر الآية التي تليها :بسم الله الرحمن الرحيموَلَوْلَا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاء اللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّه إِن تُرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنكَ مَالاً وَوَلَداً ) [الكهف :وهو يتوافق مع سنه المصطفى صلى الله عليه وسلم Sad أصدق كلمة قالها الشاعر كلمة لبيد ألا كل شيء ما خلا الله باطل، رواه الشيخان في "الصحيح" مع اختلاف الأطراف ...
    نهاية الفصل الأول من الجزء الأول ...


    عدل سابقا من قبل Admin في الأربعاء مارس 28, 2012 7:10 pm عدل 1 مرات


    _________________
    خليفتي كذاتي
    avatar
    Admin
    Admin

    المساهمات : 1949
    تاريخ التسجيل : 10/01/2008

    معضلة الحلاج بين الواقع و التلفيق ( ج 1 / ف 2)

    مُساهمة  Admin في الأربعاء مارس 28, 2012 6:59 pm

    معضلة الحلاج بين الواقع و التلفيق ( ج 1 / ف 2)
    قبل الخوض في المرحلة الثانية من حياة الحلاج علينا أن نكمل ما أنهينا به الفصل السابق وهو أن الحلاج في آخر حياته تجاوز مرتبة العالم الموحد "شهيد الحق" إلى مرتبة الأتقياء الصالحين "الولاية الحقة" حيث أصبح يرى بعين التفريد وأضحى من السابقين المقربين المفردين المستهلكون بالحق عن شخوصهم وذاتهم التي بين جوانبهم فلم يبقى عندهم مشهود إلا الله ...
    وقيل أنه لما تفجرت مشاعر حب الولية لله في خلجات قلبه صرخ "أنا الحق " ؟؟ !!! ...
    قال غوث الأولياء " عبد القادر الجيلاني " قدس سره : ( قالها وهو غائب العقل سكران ) ، أو كما قال رضي الله عنه ...
    ويقول الحلاج في الصحو : ( يا إله الآلهة، ويا رب الأرباب... رد إلي نفسي لئلا يفتتن بي عبادك ) ...
    وهو إشارة إلى غيابه عن نفسه ذهولاً بالحق ...
    فعين بلوغ المحبة هي : ( محق ما في القلوب من سوى المحبوب) ...
    لأنهم استهلكوا بالله ذاكرين مفردين ...
    يقول صلى الله عليه وسلم : ( سبق المفردون " قالوا : وما المفردون ؟ يا رسول الله ! قال " الذاكرون الله كثيرا ، والذاكرات " ) رواه مسلم في "صحيحة" ...
    يقول الله تعالى : : ( وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيراً وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً ) [الأحزاب : 35] ...
    و المغفرة من الله لهم بأن غطاهم بأنوار الحال ، وسترهم عن الأوحال ( كل يحول بين المؤمن وربه بأمر الله من العوالق النفسية و الأمراض القلبية ) ...
    بسم الله الرحمن الرحيم : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَجِيبُواْ لِلّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ [الأنفال : 24] ...
    كما في الأثر القدسي : ( أوليائي تحت قبابي لا يعرفهم غيري ) ، ورد في "سر الأسرار" للغوث الجيلاني { ص : 54 } ...
    وأجرهم هو دوام حضوره معهم ومجالستهم ...
    كما ورد في الأثر القدسي : ( أنا جليس من ذكرني ) ، رواه البيهقي في "شعب الإيمان" ، وقال : صحيح ، بشرط الشيخان لما ورد في "الصحيحين" : ( أنا عند ظن عبدي بي ، وأنا معه إذا ذكرني ) ...
    يقول الله تعالى : ( وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْراً حَسَناً ۞ مَاكِثِينَ فِيهِ أَبَداً ) [الكهف : 3] ...
    ماكثين فيه ، أي بدوام حضورهم مع الله وهي جنة الصالحين في الدارين لقوله تعالى :
    بسم الله الرحمن الرحيم : ( وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ ) [الرحمن : 46] ، أي جنة الدنيا والآخرة ...
    يقول أبو الفرج أبن الجوزي رحمه الله ، في "التذكرة" : ( من أحبشيئا، أكثر ذكره ، و من أجلّأمرا، أعظم قدره ، و لا حبيب أحب من الله إلى أهل ولايته ، و لا جليل أجل من الله عندأهل معرفته، فاذكروا الله ذكر المحبين، و أجلّوه إجلال العارفين ) ....
    يقول الإمام "علي بن أبي طالب" كرم الله وجهه : ( أفضل العبادة ، إدمان التفكر في فضل الله ، و في قدره ) ...
    يقول الله تعالى : ( الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَىَ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ ) [آل عمران : 191] ...
    يقول الغوث الصمداني وريث سلطان العارفين البسطامي " أبو حسن الخرقاني" قدس الله سره بعد أن اجتباه الله من أوحال التوحيد "حشو التوحيد" إلى أنوار النفريد "محض التوحيد" : ( اليوم لي أربعون سنة ، و الله ينظر إلى قلبي ، لا يرى فيه غيره ، ما بقي في لغير الله شيء [ التجرد عن الأغيار "الأوحال"] ، و لا في صدري لغيره قرار [ الغياب عن ذاته التي بين جنبيه ] ) ورد في " الحدائق الوردية " للخاني { ص : 336} ...
    وعندما أدرك سلطان العارفين هذا المقام من القرب صرخ لحظة التحقيق عندما ارتقا إلى وحدة الشهود في مقام الإحسان ذاهلاً عن نفسه بعد أن تفجرت به مشاعر العشق و الهيام بالله المحبوب ، قائلاً " سبحاني" ...
    فسمع صراخه ذويه وجيرانه فنقلوا ذلك لتاج العارفين "أبو القاسم الجنيد" قدس سره ، فقال لهم : ( دعوه ، فأبو يزيد يشفع له حاله ، الرجل استهلك فنطق بما هلك به ، لذهوله بالحق عن رؤية إياه ، فلم يشهد بالحق إلا الحق ) ، ورد في " الحدائق الوردية " للخاني { ص : 195} ...
    ويقول الغوث المميز "أبو المغيث الحلاج" قدس سره في التوحيد : (هو تمييز الحدث [الخلق] عن القدم [الخالق] ، ثم الإعراض عن الحدث و الإقبال على القدم ، وهذا حشو التوحيد [ أي النفي " لا إله " والإثبات " إلا الله " ] ، وأما محضه [ وحدة الشهود "التفريد" ] ، فالفناء بالقدم عن الحدث ، وأما حقيقة التوحيد [ وحدة الوجود "عين الوحدة" ] فليس لأحد إليها سبيل إلا لرسول الله صلى الله عليه وسلم ) ، ورد في "أخبار الحلاج" للساعي { ص :89 } ...
    ويقول الإمام الرباني الوارث "أبو يزيد البسطامي" : ( المعرفة معرفتان : معرفة الحقيقة ومعرفة الحق ، فأما معرفة الحق فقد عرفها المؤمنون بنور الإيمان و الإيقان ، و أما معرفة الحقيقة فلا سبيل لها ، قال تعالى ( وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً ) [طه : 110] ) ، ورد في " الحدائق الوردية " للخاني { ص : 324} ...
    يقول صلى الله عليه وسلم : (سبق المفردون ، قالوا : يا رسول الله وما المفردون ؟ قال : ( المستهترون في ذكر الله . يضع الذكر عنهم أثقالهم ، فيأتون يوم القيامة خفافا ) ، رواه الترمذي في "سننه" ، و البيهقي في "شعب الإيمان" ، رواه السيوطي في "الجامع الصغير" ، وقال : صحيح ...
    وفي رواية ابن القيسراني في "ذخيرة الحفاظ" قوله : ( الذين يهترون بذكر الله ، يضع الذكر عنهم ......... ) رواه أحمد في "مسنده" ، وقال : إسناده صحيح حتى لفظ ( يهترون بذكر الله ) ، والهيثمي في "مجمع لزوائد" ، وقال : رجاله رجال الصحيح وزاد بلفظ ( عز وجل) ، ورواه الذهبي في "ميزان الاعتدال"...
    يروى أن أحد العارفين قال أمام جمع أخوته بالله : "إني لا أخاف الله" ، فاستنكر عليه القوم ما قال ، وشكوه شيخه فأغاظ هذا النقل الشيخ فقال ، أتوني به ، فلما حضر قال له أحقاً ما سمعت ...
    قال نعم فقال فكيف تجرأت ، فقال : يا شيخي كيف أخاف من رب منعم ودود رءوف رحيم ، لكني أخاف من معصية نفسي له ، ثم تلا قول الله تعالى : ( قُلْ إِنِّيَ أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ ) [الأنعام : 15] صدق الله العظيم ...
    إذا فالبيان يطرد الشيطان ...
    والحلاج لم يتثنى له أن يدلي بالبيان ...
    محنة دعوة الحلاج :
    ففي ذلك الوقت أيام الخليفة العباسي "المتعمد" حدث تغير بالدعوة الصوفية الإصلاحية من المجاهرة إلى السر ؟!! ...
    بسبب معاداة مداهني السلطة و أعوانها للحركة الصوفية التي كانت تهدد مصالحهم الدنيوية ...
    وكان ذلك في نفس العام الذي جاء به الحلاج إلى بغداد ، حيث سجن في ذلك الوقت أئمة التصوف عدا الجنيد ومنهم النوري و الجريري و الخلدي ...الخ ...
    وتم الإفراج عنهم من قبل قاضي القضاة في ذلك الوقت "إسماعيل بن إسحاق "رحمه الله ، بعد أن تبين له براءتهم من تهمة الزندقة ، وأنهم أتقى الخلق في زمانهم ...
    ولكن عندما صمت الصوفية تكلم الحلاج ؟!!! ، ونشأ الخلاف بينه وبين الإمام الجنيد حول المجاهرة بدعوة الإصلاح السلوكي ، إضافة للخلاف المذهبي في معرضاته مع الحلاج الفقيه المتشدد ، فقد كان مذهب الجنيد الفقهي هو المذهب الشافعي وكان الحلاج حنبلياً ...
    شكا كبار التجار والمداهنين من رجالات الدين وأصحاب السلطة تطاول الحلاج عليهم في مجالس وعظة ، وشدته بالحق ، واتهامهم بالنفاق والإفساد في الأرض والفجور والإسراف ...
    هنا استدعى الجنيد الحلاج ، وأمره : ( بالسكون و المراعاة ) ...
    و أسر الجنيد لأحد مريديه بعد أن غادره الحلاج ، قائلاً : ( لا حول و لا قوة إلا بالله ، إني أرى أسياف الحلاج تقطر دماً ، وأعادها ثلاثاً ) ...
    وبالفعل صدق حدث الجنيد ، فقد قام القاضي "محمد بن داود" ، باعتقاله بتهمة الزندقة ، على أنه كان ينادي بالحلولبة , والمزجية "الاتحاد" ...
    لكن الحلاج أنكر هذه التهمة قائلاً : ( ظهري حِمي، ودمي حرام ، وما يحل لكم أن تتأولوا علي ، واعتقادي الإسلام ، ومذهبي السنة ولي فيها كتب موجودة ، فالله الله في دمى ) ...
    وطلب من القاضي أن يحضر مخطوطات له دونها أحد مريديه ، تبرأه من تهمة الزندقة ، فرفض القاضي "محمد بن داود" ، الذي كان محرض من قبل أركان السلطة والدين المداهنين في ذلك الوقت ...
    إلا أن الله قيض للحلاج ، القاضي "ابن السريج الشافعي" الذي أيد أن يعطى الحلاج فرصة للدفاع عن نفسه وكان هذا القاضي يعارض أن يقتص من الزنديق لعدم وجود نص شرعي بذلك ، ما لم يعلن زندقته ويفسد في الأرض ...
    وتبين أن الحلاج كان ضد العقائد الحلولية و المزجية التي نسبت إليه في ذلك الوقت ، فقد قال في الحلولية : ( إِنَّ مَعْرِفَةَ اللهِ هي تَوْحِيدُهُ، وتَوْحِيدُهُ تَميُّزُهُ عَنْ خَلْقِهِ، وكُلُّ مَا تَصَوَّرَ في الأَوْهَامِ فَهْوَ [يعني الله] بِخِلاَفِهِ ، كَيْفَ يَحُلُّ بِهَ، مَا مِنْهُ بَدَأ ؟! ) ، ورد في "أخبار الحلاج" للساعي {ص :47} ...
    كما قال في العقيدة المزجية : ( مَنْ ظنَّ أَنَّ الإلوهية تَمْتَزِجُ بالبَشَريَّةِ، فقَدْ كَفَر ) ورد في "أخبار الحلاج" للساعي { ص : 31} ...
    وقد كان هذا القاضي الشافعي من أعوان الجنيد الذين انضموا للواء الحلاج بعد وفاة الجنيد ...
    وكان اللقاء الأخير بين الجنيد و الحلاج حيث قال له : ( لقد أحدثت بالإسلام ثغرة ، لن يسدها إلا رأسك ) ، وكان ما أشار له الجنيد الحكيم الإلهي رضي الله عنه
    ثم قال له : ( أي خشبة أفسدت ) ...
    وكان الجنيد يقصد خشبة النفاق عند أركان السلطة الدينية و القضائية و السياسية التي أجمعت على القصاص من الحلاج لأن فساد المنافق فجوره ...
    يقول تعالى في المنافقين : (وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِن يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُّسَنَّدَةٌ يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ ) [المنافقون : 4] ...
    نهاية الفصل الثاني من الجزء الأول ...


    _________________
    خليفتي كذاتي
    avatar
    Admin
    Admin

    المساهمات : 1949
    تاريخ التسجيل : 10/01/2008

    معضلة الحلاج بين الواقع و التلفيق ( ج 1 / ف 3)

    مُساهمة  Admin في الأربعاء مارس 28, 2012 7:01 pm

    هجرة الحلاج بعد المحنة
    ومما أشير له في سيرة الحلاج الشعبية ، أن الحلاج خرج مرة من خلوته في بغداد يقصد الصلاة جماعة في المسجد ...وكان شارد الذهن مذهول بما شهده من الحق ، فاختار زاوية معزولة في المسجد يعتزل بها عن الناس ؟؟ !!! ...يقول الصديق الأكبر رضي الله عنه وأرضاه : ( ]من ذاق من خالص معرفة الله شيء ، شغله ذلك عما سوى الله ، واستوحش من جميع البشر'هنا جاءه أحد شيعته وقال للحلاج ، أيها المصطلم الموصول الملهم أبصرنا ما في جبتك أخبرنا ما في جعبتك من واردات الحق'] ] ، قال : ما في الجبة إلا الحق ...[/font]فأنفض عنه مريده وعرف أن ليس في حال صحو ونقل هذا إلى أقرانه لكن الأمر شاع ووصل إلى القاضي "محمد بن داود" فسجلها عليه ...
    فدخل الحلاج المسجد مرة أخرى وقد التف إليه أقرانه يستقون منه الإرشاد ، فأذن المؤذن قائلاً : الله أكبر ثم كرر التكبير ، فبدل أن يكرر الحلاج ورائه قال : "كذب" سمعها أكثر من كان في المسجد لأنه نطق بها بغضب ، فاستكبروا عليه ذلك وأنكروه ...
    وعندما وصل ذلك إلى القاضي ابن داود أمر العسس أن يلقوا عليه القبض لنطقه بالكفر كان ذلك عام 272 هـ ...
    فأدين بالمستمسكين ؟؟ !! ...
    ولكن فوجئ القاضي بأجوبة الحلاج :حيث قال في قوله : " ما في الجبة سوى الحق" ...
    ما أنا إلا من مصنوعات الله ، فالله هو الحق وخلقه حق ، فما في الجبة سوى الحق ؟ !!! ...
    فصمت القاضي ، ثم قال : وما قولك في تكذيب المؤذن ...
    فقال الحلاج : (ما كذبته عن قاله ، وإنما كذبت حاله ، فلو صدق بالإشارة لسقطت المنارة وتبعثرت من تحته الحجارة ثم تلا : ( فلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكّاً وَخَرَّ موسَى صَعِقاً ) [الأعراف : 143][/ ) ...
    لم يكتفي القاضي ابن داود بهذا الكيد فأعد رجلا من غمار الصوفية لقنه أن يقول : إنه سمع الحلاج يتحدث في درسه الصوفي بمسجد المنصور قائلا : أنا الحق .... ؟
    مما خول القاضي لرفع قضية الحلاج إلى "دار القضاء العالي" وأحضر الشهود ...
    يقول المؤرخ ابن كثير في "البداية والنهاية" { ج11 / ص : 140 } : (وأنكر الحلاج ما نسب إليه وقال أعوذ بالله أن أدعي الربوبية أو النبوة وإنما أنا رجل أعبد الله وأكثر له الصوم والصلاة وفعل الخير ولا اعرف غير ذلك وجعل لا يزيد على الشهادتين والتوحيد ويكثر أن يقول : سبحانك لا إله إلا أنت ... عملت سوءا وظلمت نفسي فاغفر لي إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت ) ... وفي ذلك الحين انتصر للحلاج القاضي ابن سريج الشافعي قائلا : ( إن مثل هذا لا يدخل في القضاء والأدلة غير ثابتة والدليل لا يوجد نص شرعي فيه ) ...
    والحق أن الحلاج إن قال : أنا الحق ، فقد قالها في خلوته وهو غارق في بحر عين الوحدة فاني عن ذاته العاشقة بالمعشوق الأعظم ، بعدما تفجرت مشاعر المحبة فسيطرت على حواسه وإدراكه ، فنطق بما لا يعي ...
    يقول المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم : ( لله أشد فرحا بتوبة عبده ، حين يتوب إليه ، من أحدكم كان على راحلته بأرض فلاة . فانفلتت منه . وعليها طعامه وشرابه . فأيس منها . فأتى شجرة . فاضطجع في ظلها . قد أيس من راحلته . فبينا هو كذلك إذا هو بها ، قائمة عنده . فأخذ بخطامها . ثم قال من شدة الفرح : اللهم !أنت عبدي وأنا']ربك']أخطأ من شدة الفرح) ، رواه مسلم في "صحيحة" ...
    و الحلاج أخطاً من شدة الفرح لأن الفرح عند المؤمن المحسن هو منعكس السرور أو السعادة القلبية المتوقدة ...
    يقول الله تعالى : ( قُلْ بِفَضْلِ اللّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُواْ هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ ) [يونس : 58]
    ويقول عز وجل : ( فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللّهُ مِن فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُواْ بِهِم مِّنْ خَلْفِهِمْ أَلاَّ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ ) [آل عمران : 170]
    وقد أوحى الله إلى داود عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام : ( يا داود ! قل للصديقين بي فليفرحوا وبذكري فليتنعموا )
    [وهذا الفرح الناتج عن الذوق الوجداني يسمى فرح المحب الواجد ...يقول الإمام "علي بن أبي طالب" كرم الله وجهه : ( من لا وجد له لا دين له ) ...ويقول المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم : ( ليس منا من لم يتواجد إذا ذكر الحبيب [ الله ] ) ، وهو حديث حسن إذا صححت خرافته ‘ ويصح مرسلاً عن : " أنس بن مالك" ...وللوجد أنواع منه ما ينتج عن الشهود كما في حالة الحلاج ، ومنه عن السمع كما حدث مع الإمام الزاهد ابن البغوي "أبو الحسين النوري" قدس سره ، وأدى إلى هلاكه...
    عن عبد الكريم بن هوازن القشيري بإسناد إلى أبي نصر السراج، وخلاصتها أن سبب وفاة']أبي الحسين النوري أنه سمع هذا البيت']لا زلت أنزل من ودادك منزلاً *** تتحيرالألباب عند نزولهفتواجد النوري وهام في الصحراء وصادفته أجمة فيها قصب قد بقيتأصولها مغروسة في الأرض فأصابته في قدميه ومات بسببه'] ورد في "تاريخ بغداد" للخطيب البغدادي { ج 2 / 443} ...
    ومنه ما ينتج عن الكلام ، كما حدث مع العارف بالله "أبو بكر الشبلي" طيب الله ثراه ...]
    سمعت مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن ، يَقُول : سمعت عَلِي بْن عَبْد اللَّهِ البصري ، يَقُول : ( وقف رجل عَلَى الشبلي ، فقال : أي صبر أشد على الصابرين؟ فقال الصبر في الله تعالى ، فقال لا ، فقال : الصبر لله تعالى فقال لا فقال : الصبر مع الله تعالى ، قال : لا . قال : فايش؟ قال : الصبر عن الله تعالى ، فصرخ الشبلي صرخة كادت روحه تتلف ) ، ورد في "مفاتيح الغيب" للرازي { ج 4 / ص : 140 } ، وورد في "الرسالة القشيرية" ...
    ']هنا عاد الحلاج إلى الأهواز واعظاً ومصلحاً ما بين ( 272 - 276 هـ ) ، وحارب عند الشيعية مبدأ "الإمام المعصوم " واستطاع أن يستمل قلوب الكثيرين من الشيعة عن هذا المعتقد الفاسد في مدينة "قم" الإيرانية وكان يلقبه الناس "أبو عبد الله الزاهد" ...
    إلا أن كبار أئمة الشيعة أبعدوه وهددوه بالقتل في حالة بقائه بينهم واتهموه بأنه معادي لله ورسوله ...
    وهو الأمر الذي جعل الحلاج يعود إلى بغداد وأنضم إلى دعوة الحنابلة السلفية الإصلاحية ، ضد الفساد السلطوي والاجتماعي والديني و والمالي السائد حتى عام 279 هـ ...وكان يقول : ( لن يقبل الله عبادة عابد ، تحت ظل حكم فاسد
    حدثت في ذلك الوقت ثورة الحنابلة الفاشلة ، التي كادت أن تنهي سلطة آل عباس ، و كان هدفها إنشاء دولة خلافة حنبلية ، بعد تفشي الفساد الفكري العقائدي بتقريب المعتزلة و الشيعة من الخلافة العباسية إضافة إلى شيوع الترف و الفساد الأخلاقي و المادي ...
    حيث ألقي القبض بعد فشل الثورة على رؤوس الحنابلة و كان منهم الحلاج و تلاميذه ؟!!! ...إلا أن الله قيض للحلاج ، للمرة الثانية من يدافع عنه ؟!!! ...
    يقول الله تعالى : (إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ) [الحج : 38]وكان هذه المرة هو "حمد القنائي " أحد أعضاء وزارة علي بن عيسى القنائي وابن عمه ...فأطلق سراح الحلاج مع تلاميذه ، لأنه كان يؤمن بمبادئ الحلاج ومسيرته الإصلاحية ...
    هنا عاد الحلاج إلى الأهواز بالفترة ما بين ( 279- 281 هـ ) ، ليبدأ أوج عطائه بدعوته الإصلاحية حيث حاذ شعبية مهولة في أسيا حيث كان يلقب بالهند { المغيث } ولقبه في خراسان { المميز } ، وفي إيران { الزاهد } وفي سركسان { المُقيت } ، وفي بغداد سمي { المصطلم } ؟؟ !! ...
    وحذا حذو الإمام الحجة "أبو حامد الغزالي " قدس سره ...
    ولكن الفرق بينه وبين الغزالي أن الغزالي كان مقرب إلى السلطة أما الحلاج معادي لها إضافة إلى أن الحلاج أبتدئ بما انتهى ، به الغزالي وهو الزهد ، لذلك كان إذا خلى بربه وركن للتنسك يلبس الصوف أما إذا أراد أن يقعد للوعظ أو المناظرة مع العلماء و الأئمة لبس لباس الأعيان ؟ !!! ...
    متبعاً لقوله تعالى : ']يَا بَنِي آدَمَ خُذُواْ زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ وكُلُواْ وَاشْرَبُواْ وَلاَ تُسْرِفُواْ إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ) [الأعراف : 31'وكان من أحي هذه السنة بعده الإمام "الشاذلي" طيب الله ثراه ...]
    لقوله تعالى : ( قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللّهِ الَّتِيَ أَخْرَجَ لِعِبَادِهِوَالْطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِي لِلَّذِينَ آمَنُواْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ) [الأعراف : 32]']يقول صلى الله عليه وسلم : ( إن الله جميل يحب الجمال']، رواه مسلم و ابن حبان في "الصحيح" ، و الحاكم في " المستدرك " باسناد صحيح ، وكذا أحمد في "مسنده" ، و البيهقي في "الشعب" و الطبراني في " الأوسط" و "الكبير" وغيرهم ....
    وقال الفاروق رضي الله عنه يقول : ( تزينوا حتى تكونوا شامه ) ..أول من عمل بالتصوف هو التابعي الجليل والإمام المتحقق "الحسن البصري" رضي الله عنه ...
    [حيث كان يقول : ( من لبس الصوف تواضعاً ، زاده نور في بصره وقلبه ، ومن لبسه إظهاراً للزهد وتكبراً كور في جهنم مع الشياطين ) ، ورد في "الحدائق الوردية" للخاني { ص : 246 } ..]
    وقوله : ( ما كل الناس يصلح للبس الصوف ، لأنه يطلب "صفاءً و مراقبة" ) ، ورد في "الحدائق الوردية" للخاني { ص : 246 } ...']وقيل له : ما سبب لبسك الصوف ؟ فسكت ، فقيل : ألا تجيب ؟ ، فقال : ( إن قلت زهداً زكيت نفسي ، وإن قلت فقراً أو ضيفاً ، شكوت ربي ) ، ) ورد في "الحدائق الوردية" للخاني { ص : 246 } ...فعلامة الزهد لبس الصوف كما علامة المشيخة و العلم لبس العمة ..و بالعودة إلى مجريات الأحداث ، آلت الوزارة إلى الوزير حامد بن العباس ، الذي شاع في عهده الفساد المالي و القسوة في جباية الضرائب ...']فثار عليه الحنابلة ، مما جعل له ذريعة في إعادة فتح ملف الحلاج ، الذي كان من أسباب سجنه محاربة فساده السلطوي ...و استطاع الوزير حامد بن العباس مع القاضي المالكي "أبو عمر الحمادي" المداهن المتملق للسلطة أن يصدر حكم بحق الحلاج بإعدامه ...بتهمة مناداة الحلاج ببطلان فريضة الحج ؟؟!! ...وهي تهمة وجهت من قبله للقرامطة الذين نادوا بهدم الكعبة ؟؟؟!!! ، و سرقوا الحجر الأسود ...قال ابن زنجي : ( وحُملت دفاتر من دور أصحاب الحلاج، فأمرني حامد " الوزير" أن أقرأها والقاضي أبو عمر حاضر، فمن ذلك قرأتُ: إن الإنسان إذا أراد الحج، أفرد في داره بيتاً "أي انفرد بذكر الله "، وطاف به أيام الموسم "جاءته العطايا من المحسنين"، ثم جمع ثلاثين يتيماً، وكساهم قميصاً قميصاً، وعمل لهم طعاماً طيباً، فأطعمهم وخدمهم وكساهم، وأعطى لكل واحدٍ سبعة دراهم أو ثلاثة، فإذا فعل ذلك ، قام له ذلك مقام الحج ! ...فلما قرأت ذلك الفصل، التفت القاضي أبو عمر إلى الحلاج وقال له: من أين لك هذا ؟ قال : من كتاب الإخلاص للحسن البصري. قال : كذبت يا حلال الدم ، قد سمعنا كتاب الإخلاص وما فيه هذا فلما قال أبو عمر: كذبت يا حلال الدم قال له حامد : أكتب بهذا ! فتشاغل أبو عمر بخطاب الحلاَّج ، فألحَّ عليه حامد ، وقدَّم له الدواة ، فكتب بإحلال دمه ، وكتب بعده مَنْ حضر المجلس ...فقال الحلاج بعد أن شهد المؤامرة : '] ظهري حِمي، ودمي حرام ، وما يحل لكم أن تتأولوا علي ، واعتقادي الإسلام ، ومذهبي السنة، ولي فيها كتب موجودة ، فالله الله في دمى ) ..
    ثم نهضوا ورُدَّ الحلاج إلى الحبس، وكُتب إلى المقتدر " الخليفة " بخبر المجلس ، فأبطأ الجواب يومين ، فغلظ ذلك على حامد، وندم وتخوَّف، فكتب رقعةً إلى المقتدر في ذلك يقول: ( إن ما جرى في المجلس قد شاع ، ومتى لم تُتبعه قتل هذا "الحلاَّج " افتتن به الناس ، ولم يختلف عليه اثنان ) ، فعاد الجواب من الغد :" إذا كان القضاة قد أباحوا دمه، فليحضر صاحب الشرطة ، ويتقدم بتسليمه وضربه ألف سوط ، فإن هلك وإلا ضُربت عنقه.." فسُرَّ حامد ) ، ورد في "سيرة الأعلام النبلاء" { ج14/ص 341 } ، وفي "تاريخ بغداد" { ج8 / ص 138} ...كان الخليفة "المقتدر" متردد في توثيق الحكم لأن الحلاج كان علم من أعلام الدين حينها ، كما أنه خشي من تجدد ثورة الحنابلة لأن الحلاج بقوة شخصيته كان الزعيم الروحي لهم ، وعلى رأسهم القاضي أ بو العباس ابن عطاء ، الذي اعتقل وقتل في سجنه لأنه اعترض على المحكمة ، إلا أن إيحاء الوزير حامد بشبح ثورة اجتماعية حلاجيه عليه ، جعله يوثق الحكم ...ولكن هنا يأتي السؤال المنصف هل كان الحلاج برئ أم مجرم ؟؟!!! ...هل كان احتجاج حامد بمذهب الحلاج الذي يدعو إلى الاستغناء عن الحج صحيح ...المكذب الأول لهذا الإدعاء الباطل هو أن الحلاج حج ثلاثة مرات ؟!!! ...و المكذب الثاني أن الحلاج لم يبتدع ما قال في أنه يساوي الحج بالاعتكاف و الصدقة ، لأنه أخذه من كتاب "الإخلاص " للحسن البصري ...وهو كلام متوافق مع السنة !!! ...فقد ورد في السنة الشريفة :
    قوله صلى الله عليه وآله وسلم : ( من صلى الغداة ثم جلس في مسجده حتى يصلي الضحى ركعتين كتب له حجة وعمرة متقبلتين، رواه ابن حجر العسقلاني ، في "نتائج الأفكار " وفي " الفيوضات الربانية" وقال : حسن ، ورواه الدمياطي في "المتجر الرابح" وقال إسناده حسن ..يقول صلى الله عليه وسلم : ( منصلى في جماعة ثم قعد يذكر الله حتى تطلع الشمس ثم صلى ركعتين كانت له كأجر حجة وعمرة . قال : قال رسول صلىالله عليه وسلم : تامة ، تامة ، تامة']رواه الترمذي في "سننه" ، وقال : حسن ، وقال الألباني في "السلسلة الصحيحة" ، إسناده حسن ، ورجاله ثقات ..ويقول صلى الله عليه وآله وسلم : ( من صلى الفجر في جماعة ، ثم قعد يذكر الله حتى تطلع الشمس ، ثم صلى ركعتين ، كانت له أجر حجة و عمرة تامة ، تامة ، تامة']، رواه الترمذي في "سننه" ، وابن عثيمين في "مجموع فتاواه" بإسناد حسن ، وابن حجر العسقلاني في "تخريج مصباح المفاتيح " ، وقال : حسن ..
    فقتل الحلاج كان مؤامرة سياسية الغاية منها كبح محاولة الإصلاح الذي ، التي مات الحلاج وهو ينادي بها ...نهاية الفصل الثالث والأخير من الجزء الأول ...
    المصدر : كتاب " أخبار الحلاج" من مصنفات علي بن أنجب الساعي البغدادي ...'المصدر : كتاب " الحلاج الأعمال الكاملة " لمحمد قاسم عباس ...
    المصدر : السيرة الشعبية للحلاج ...


    _________________
    خليفتي كذاتي
    avatar
    Admin
    Admin

    المساهمات : 1949
    تاريخ التسجيل : 10/01/2008

    معضلة الحلاج بين الواقع و التلفيق ( ج 2 / ف 1)

    مُساهمة  Admin في الأربعاء مارس 28, 2012 7:03 pm

    دراسة تحليلية لمعضلة الحلاج :
    كان الفرق بين شخصية الحلاج و البسطامي ، رغم توافقهم في فناء المحبة ...
    أن البسطامي كان على قدم الصديق الأكبر رضي الله عنه و أرضاه ، حيث غلب على مسلكه وقلبه الرحمة والتماس الأعذار للناس و السلطة ، وكان له سلطة واسعة على العلماء والأولياء في زمنه ...
    فلم يتجرأ عليه أحد ؟ !!! ...
    بينما كان الحلاج على قدم الفاروق الأكبر رضي الله عنه لا يخشى بالحق لومة لائم ...
    وهو ما يعني أن أفضلية الإقتداء للصديق الأكبر ؟؟؟ !!! ...
    قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : يا عمار أتاني جبريل آنفاً فقلت : يا جبريل حدثني بفضائل عمر بن الخطاب في السماء. فقال : يا محمد لو حدثتك بفضائل عمر مثل ما لبث نوح في قومه : ألف سنة إلا خمسين عاماً ما نفدت فضائل عمر ، وإن عمر لحسنة من حسنات أبي بكر ) ، رواه أبو يعلى في "مسنده" ، والطبراني في الأوسط ز لكبير ...
    فرغم أن الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم أمر أن تكون الهجرة إلى يثرب سراً ، وكان القدوة في ذلك ، إلا أن عمر الفاروق رضي الله عنه ، و الذي ينطبق عليه القول من خاف الله خوف الله منه كل شيء ، كان له شأن آخر ...
    عن عبد الله بن العباس قال : قال لي علي بن أبي طالب ما علمت أن أحدا من المهاجرين هاجر إلا مختفيا إلا عمر بن الخطاب فإنه لما هم بالهجرة تقلد سيفه وتنكب قوسه وانتضى في يده أسهما واختصر عنزته ومضى قبل الكعبة والملأ من قريش بفنائها فطاف بالبيت سبعا متمكنا ثم أتى المقام فصلى متمكنا ثم وقف على الحلق واحدة واحدة وقال لهم : { شاهت الوجوه ، لا يرغم الله إلا هذه المعاطس ، من أراد أن تثكله أمه ، ويوتم ولده ، ويرمل زوجته ، فليلقني وراء هذا الوادي ) ، رواها ابنُ عساكر في "تاريخ دمشق" { ج44/ ص: 51-52} ، وابنُ الأثير في "أُسد الغابة" { ج 4 / ص : 144- 145} ...
    قال علي كرم الله وجهه : ( فما تبعه أحد إلا قوم من المستضعفين علمهم وأرشدهم ومضى لوجهه (...
    وقد كان للحلاج هيبة حتى في قلوب أهل السلطة و العلم ، فها هو يصرخ ذات يوم في عالم بغداد علي ابن عيسى : ( قف حيث انتهيت ولا تزد عليه شيئاً و تأدب ، وإلا قلبت عليك الأرض ) ، فما كان من ابن عيسى إلا أن تهيب مناظرته واستعفى منه ؟ !! ...
    وكان له بالحق موقف حتى مع شيخه "الجنيد" ، حين وقف الجنيد على المنبر يخطب في الناس ، إذا به ينتفض قائلا : ( يا أبا القاسم ، إن الله لا يرضى عن العالم بالعلم حتى يجده في العلم ، فإن كنت في العلم فألزم مكانك وإلا فانزل ، فما كان من الجنيد سوى أن نزل من على المنبر ولم يتكلم على الناس شهرا ) ؟ !! ...

    مما تقدم في الجزء الأول نجد أن الحلاج كان رجل دعوة مصلح متوقد الذكاء قوي الشخصية ، وله شعبية عند العامة أكثر منه عند الخاصة سواء في الدين أو السلطة ...
    وما يؤكد ذلك أن سيرته الشعبية تعتبر جيده إذا ما قورنت بسيرته التاريخية ...
    وكان محباً لآل البيت ، ومن المطالبين بعودة جادة الحكم في الدولة الإسلامية للعباسيين ؟!!! ...
    عن زيد بن حبان رضي الله عنه قال : قام رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما فينا خطيبا . بماء يدعى خما . بين مكة والمدينة . فحمد الله وأثنى عليه . ووعظ وذكر . ثم قال : ( أما بعد . ألا أيها الناس ! فإنما أنا بشر يوشك أن يأتي رسول ربي فأجيب . وأنا تارك فيكم ثقلين : أولهما كتاب الله فيه الهدى والنور فخذوا بكتاب الله . واستمسكوا به " فحث على كتاب الله ورغب فيه . ثم قال " وأهل بيتي . أذكركم الله في أهل بيتي . أذكركم الله في أهل بيتي . أذكركم الله في أهل بيتي " . فقال له حصين : ومن أهل بيته ؟ يا زيد ! أليس نساؤه من أهل بيته ؟ قال : نساؤه من أهل بيته . ولكن أهل بيته من حرم الصدقة بعده . قال : وهم ؟ قال : هم آل علي ، وآل عقيل ، وآل جعفر ، وآل عباس . قال : كل هؤلاء حرم الصدقة ؟ قال : نعم . وزاد في حديث جرير " كتاب الله فيه الهدى والنور . من استمسك به ، وأخذ به ، كان على الهدى . ومن أخطأه ، ضل ) ، رواه مسلم في "صحيحة" ...

    فقد أصبح حكم العباسيين شكلياً منذ عهد الخليفة "المتوكل" ، حيث أصبحت الغلبة للعسكر الترك ؟!! ...
    ( منذ عهد المتوكل العباسي ( 232 - 247 هـ‍ ، 847 – 861 م ) غلبت سيطرة العسكر الأتراك وقادتهم على أزمة الأمور في الدولة، واستأثروا بالعطاءات والاقطاعات، واستبدوا بسلطان الخلافة، حتى صاروا يولون ويعزلون الخلفاء كما يريدون، بل ويسجنون ويسمّون ويقتلون من لا يحقق مطامحهم ومطامعهم من الخلفاء.
    ولقد حاول بعض الخلفاء أن يستردوا لمنصب الخلافة سلطانه، وأن يستندوا في معارضة القادة الأتراك إلى تأييد شعبي بمهادنة العلويين الثوار وإقامة قدر من العدل والإنصاف بين الرعية.. حاول ذلك الخليفة المنتصر بالله ( 247 - 248 هـ 861 – 862 م ) ، والمهتدي بالله ( 255 -256ه‍ 869 -870 م) ولكن الأتراك تخلصوا منهما بالسم والعزل والقتل ) ...
    المصدر : موسوعة الحضارة العربية الإسلامية / الجزء الثاني ...
    -----------------------------------------------
    وشاع الظلم ، خصوصاً مع العبيد وصغار الكسبة ...
    فقد وقف الحلاج ضد مظاهر الفساد و الترف ووقف مع المظلوم ضد الظالم ، كما حدث عند تأييده لثور المحرومين أو الزنج ...
    حيث أيد من مطالبهم العدالة و الإنصاف بالمعاملة وأن يعود الحكم بشكل حقيقي لبني عباس آل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ...
    وهو ذات الموقف وذات المبادئ عندما وقف إلى جانب الحنابلة ...
    الأمر الذي جعله حجر عثرة أمام أعوان السلطة في ذلك الوقت ، فلفقوا له التهم حتى ينالوا منه بشكل شرعي ، ضمن سلطة القضاء ، لأنهم وجدوا في اغتياله إعلاء لشأنه و إشعالاً لثورات جديدة ...
    لذلك نسبوا له الشعوذة و السحر والزندقة بعد موته ...
    وكتاب "الطواسين" هم من أظهره بعد وفاته ، علماً أنه لم يكن له أي ذكر قبل أن يقام عليه الحد ؟ !!! ...
    وهو ما يعني أنه إما حرف به ، أو تم تلفيقه بالكلية على أنه من كتابات الحلاج ؟ !!! ...
    وأكبر دليل على ذلك أنه لم يحاكموه على ما في "الطواسين " ، وسبب نشرهم له رغم احتوائه على الطلاسم لتوثيق الحكم أنه عادل دون أثر رجعي شعبي ...
    كما أن القشيري لم يذكره في "طبقات الصوفية" لسببين :
    الأول : أن القشيري كان معاصر للخلافة العباسية "ولد 375 هـ توفي 465 هـ " الذين يعتبرون الحلاج من أعداء الدين و الخلافة لأنهم كانوا مغبونين بالحاشية الفاسدة من الأتراك وشيعة فارس ...
    ثانياً : إن الحلاج كان يعتبر منشق عن الطائفة الصوفية متفرداً بمنهجه في البداية ثم منتسب إلى الطائفة الحنبلية ، التي توافقت أهدافها مع أهدافه في الإصلاح و التغيير ، وإعادة أمة الإسلام إلى جادة الصواب ...
    فهل كان الحلاج من أولياء الله المتقين ؟ !!! ...
    فقد قام عالم باحث سلفي متخصص في القضايا الصوفية ، بإرشادي إلى قول ورد في "سير أعلام النبلاء { ج 14/ ص : 328 } قيل له فيه أي للحلاج وهو في سجنه : ( كنت تدعي النبوة صرت تدعي الربوبية فقال الحلاج : لا ولكن هذا عين الجمع عندنا هل الكاتب إلا الله وأنا فاليد فيه آلة ! ) ...
    وهو يقصد : لا ولكن هذا عين الجمع عندنا ، هل الكاتب إلا الله ، أما أنا و اليد فآلة يحركها الله وحده ...
    فكلمة إلا تفيد الاستثناء التفريدي لله ...
    كأن تقول لا إله إلا الله
    لقوله تعالى : ( وَإِلَـهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لاَّ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ ) [البقرة : 163] ...
    كذلك هو المتفرد في التأويل التام لكتابه ...
    لقوله تعالى : ( وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُواْ الألْبَابِ ) [آل عمران : 7] ...
    فكلمة إلا في الآية استثنت وفردت التأويل لمجمل خفايا ومكنونات القرآن لله وحدة ومنعت الواو العاطفة من مشاركة الراسخون بالعلم بهذا الغور التأويلي العميق إلا ما شاء الله لهم لطهارتهم بنوره سبحانه ...
    لقوله تعالى : ( إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ ۞ فِي كِتَابٍ مَّكْنُونٍ ۞ لَّا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ ۞ تنزِيلٌ مِّن رَّبِّ الْعَالَمِينَ ) [الواقعة :77-80] ...
    المس أي كأن تغترف غرفة ماء من بحر محيط من علم الله في كتابة ويكون هذا البيان بتنزيل من الله (َ تنزِيلٌ مِّن رَّبِّ الْعَالَمِينَ ) ...
    لأن علم الله في كتابه لا يحاط لقوله تعالى : ( قُل لَّوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَاداً لِّكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَن تَنفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَداً ) [الكهف : 109] فلا أحد يحيط بعلم الله سبحانه ...
    وفي ذات الوقت فإن الله يأمرنا بتدبر كتابه لقوله تعالى : ( أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا ) [محمد : 24] ...
    ومفاتيح مقاصد الكتاب طهارة المؤمن العالم من الذنوب و الآثام بنور التقوى و الإيمان ...
    وهذا السياق اللفظي يعني أن الحلاج كان ملماً بقواعد اللغة العربية رغم أنه فارسي ...
    ولكن موضوعنا الآن كلمة "عين الجمع عندنا" ؟؟ !!! ...
    أولاً العين هنا من المعاينة يقول صلى الله عليه وسلم : ( ليس الخبر كالمعاينة ) ، رواه أحمد في "مسنده" ، باسناد صحيح بشروط الشيخين ، ورواه الزركشي في "الآلئ المنثورة" ، باسناد صحيح ، و الهيثمي في "مجمع الزوائد" وقال رجاله رجال الصحيح ، و الزرقاني في "مختصر المقاصد" ، وصححه الألباني في "صحيح الجامع" ...
    يقول الله تعالى : ( عَيْناً يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيراً ) [الإنسان : 6] ...
    قال الله يشرب بها لا منها ؟!! ... فهي عين القلب أو عين بصيرة المؤمن ...
    يقول صلى الله عليه وسلم : ( اتقوا فراسة المؤمن ، فإنه ينظر بنور الله ، ثم قرأ : " إنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّلْمُتَوَسِّمِينَ " [الحجر : 75] ) ، رواه الترمذي في "سننه" ، و الهيثمي في "مجمع الزوائد" دون الآية باسناد حسن ، و السيوطي في "الآلئ المصنوعة" ، وقال : حسن صحيح ، وقال الخطيب البغدادي في "تاريخ بغداد" : هو الصواب ...
    وعين الشيء ، تأتي أيضاً بمعنى قمة الشيء أو غايته أو نهايته أو أصله وذاته ، كأن تقول "عين الصواب" أي الصواب بذاته ....
    يقول الله تعالى : ( َعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاء كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلاَئِكَةِ فَقَالَ أَنبِئُونِي بِأَسْمَاء هَـؤُلاء إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ ) [البقرة : 31] ...
    فكلمة كلها في الآية عندما تكون من الله تعني كلها أي علوم الدنيا والآخرة فكلمة أسماء تخص كل من تتسم أو تتصف وتتميز به الأشياء المادية و المدلولات المعنوية ...
    بمعنى أدق أن الله أشهد النبي آدم أبو الأنبياء و البشرية صلى الله عليه وسلم كل أسراره بالكون ؟؟؟ !! ...
    لكن هذه الحقائق أضحت كامنة في قلوبنا لا يطلعنا الله عليها إلا بقدر ، وفق صدقنا و صدق إيماننا وتقوانا وجهادنا لأنفسنا لنستقيم على ما يرضي الله تعالى ...
    يقول الإمام علي كرم الله وجهه : ( أتحسب أنك جرم صغير وبك طوي العالم الأكبر ) ...
    يقول الله تعالى : ( وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ ) [العنكبوت : 69] ...
    وكما في الآية لكن الله مع المحسنين أي ملازم لهم بالمعية بالعناية و الرعاية ؟؟؟ !!! ...
    وهو أفضل الإيمان أي إيمان الإحسان ...
    لقوله صلى الله عليه وسلم : ( أفضل الإيمان أن تعلم أن الله معك حيثما كنت ) ، رواه ابن تيمية في "مجموع الفتاوى" ، وقال : حسن ...
    ويصدق هذا الحديث قوله تعالى للنبي موسى وهارون صلوات الله وسلامه عليهم : ( قَالَ لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى ) [طه : 46] ...
    فالعلم هو "الشهود بنور الحق" وعكسه العمى عن الحق لأن الجهل عكسه المعرفة لقوله تعالى :
    بسم الله الرحمن الرحيم : ( أَفَمَن يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُواْ الأَلْبَابِ ) [الرعد : 19] ...
    فالحلاج حظي بعين الجمع وهي الولاية بأن اجتمعت أعماله وأقواله بموافقة الله ...
    قال د. عبد المنعم حنفي : ( الجمع : إزالة الشعث والتفرقة بين القدم والحدث [ المؤثر و الأثر ] لأنه لما انجذبت بصيرة الروح إلى مشاهدة جمال الذات ، استنارت بنور العقل بزوال الفارق بين الأشياء في غلبة نور الذات القديمة وارتفع التمييز بين القدم والحدث لزهوق الباطل عند مجيء الحق ، وتسمى هذه الحالة جمعا ) ، ورد في "مصطلحات الصوفية" ، { ص : 66 } ...
    و الخلاصة هي : ( شهود الحق بلا خلق ) ...
    وهي وحدة الشهود ، أو مقام التفريد ...
    يقول الحلاج في التفريد : ( لا يجوز لمن يرى أحد ، أو يذكر أحداً ، أن يقول : إني عرفت الأحد ، الذي ظهرت منه الآحاد ) ، ورد في "طبقات الصوفية" للسلمي { ص : 310} ...
    لقول العارف بالله "سهل بن عبد الله التستري" طيب الله ثراه في الولي : ( هو من توالت أفعاله بالموافقة ) أي التوفيق و الموافقة الإلهية...
    بمعنى أدق أصبح همه وهواه موافق لمشيئة الله وهو حال المتقين ...
    لقوله تعالى : ( وَالَّذِي جَاء بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ ۞ لُهم مَّا يَشَاءُونَ عِندَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ جَزَاء الْمُحْسِنِينَ [الزمر : 34] صدق الله العظيم ...
    وهو ما يبين معنى قول الفاروق رضوان الله عليه : ( إن لله رجال إذا أرادوا أراد ) ...
    ومما تقدم نجد أن الحلاج كان من أهل التفريد " وحدة الشهود" ...
    ومن أقوله الدالة على ذلك : ( ما رأيت شيء إلا ورأيت الله فيه ) ، هو دليل على هذه المرتبة الإيمانية العظيمة ...
    يقول إمام المفردين علي كرم الله وجهه : ( ما رأيت شيئاً إلا رأيت الله قبله وبعده ومعه ) ...
    عن أحمد بن عبد الله قال : سمعت الحلاج وقد سئل عن التوحيد فقال : ( هو تمييز الحدث [الخلق] عن القدم [الخالق] ، ثم الإعراض عن الحدث و الإقبال على القدم ، وهذا حشو التوحيد [ أي النفي " لا إله " والإثبات " إلا الله " ] ، وأما محضه [ وحدة الشهود "التفريد" ] ، فالفناء بالقدم عن الحدث ، وأما حقيقة التوحيد [ وحدة الوجود "عين الوحدة" ] فليس لأحد إليها سبيل إلا لرسول الله صلى الله عليه وسلم ) ، ورد في "أخبار الحلاج" للساعي { ص :89 } ...
    قال أحمد أبي الفتح بن عاصم البيضاوي : سمعت الحلاج يملي على بعض تلاميذه :
    ( إن الله تبارك وتعالى وله الحمد ، ذات واحد قائم بنفسه ، منفرد من غيره بقدمه ، متوحد عمن سواه بربوبيته ، لا بمازجه شيء ، ولا يخالطه غيره ، ولا يحويه مكان ، ولا يدركه زمان ، ولا تقدّره فكرة ، ولا تصوّرهُ خطْرة ، ولا تدركهُ نظره ، ولا تعتريه فتره ) ورد في "أخبار الحلاج" للساعي { ص : 72 } ...
    وهو مقام الأولياء المتقين الذين تجاوزوا الإيقان وهو كما أخبرنا سيد المرسلين صلى الله عليه وسلم هو الإيمان كله ؟؟ !!! ...
    وهو مدخل مقام الإحسان : ( أن تعبد الله كأنك تراه ) أي ما رأيت شيء إلا ورأيت الله فيه ...
    وقال الواسطي قلت لابن سريج : ما تقول في الحلاج ؟ قال : ( أما أنا فأراه حافظاً للقرآن عالماً به ، ماهر في الفقه ، عالماً بالحديث والأخبار والسنن ، صائماً الدهر ، قائماً الليل ، يعظ ويبكي ويتكلم بكلام لا أفهمه ، فلا أحكم بكفره ) ، أورده ابن خلكان في "وفيات الأعيان" { ج1/ص : 185 } ، والدميري في "حياة الحيوان" { ج1/ ص : 311 } ...
    ومشكلة الحلاج أنه كان متأرجح بين مقام العارف بالله الموحد ومقام الولي الصالح المفرد ولم يثبت على حال غلبه أي كان حيننا من القادة وحينناً أخر كان من السادة ...
    يقول صلى الله عليه وسلم : ( العلماء قادة ، و المتقين سادة ، ومجالستهم زيادة ) ، رواه السيوطي في "الجامع الصغير" ، والعجلوني في "كشف الخفاء" ، وقال : رجاله ثقات ...
    ويقول الإمام علي ذو السبطين كرم الله وجهه : ( المتقين السادة ، و الفقهاء قادة ، و النظر إليهم في مجالسهم خيرعبادة ، وعالم ينتفع بعلمه أفضل من ألف عابد و زيادة ) ...
    وهذا سر معاناته ، إضافة ليأسه من إمكانية إصلاحه للمجتمع الإسلامي و السلطوي ، وتخلي مرشديه عنه لجراءته بالحق ، ومخالفته لهم في بعض الأمور ...
    يقول الصحابي الجليل "عبادة بن الصامت " رضي الله عنه : ( بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على السمع والطاعة في المنشط والمكره ، وأن لا ننازع الأمر أهله وأن نقوم ، أو : نقول بالحق حيثما كنا لا نخاف في الله لومة لائم ) رواه البخاري في "صحيحة" ...
    وهو ما ولد عنده الرغبة بالموت ؟ !!! ...
    ويروي أحمد بن القاسم الزاهد : سمعت الحلاج في سوق بغداد يصيح : ( يا أهل الإسلام أغيثوني ، فليس يتركني ونفسي فآنس بها ، وليس يأخذني من نفسي فأستريح ، وهذا دلال لا أطيقه ) ، ورد في "الكشكول" { ص : 96 } لبهاء الدين العاملي ، و في " القول السديد" { ص : 35 } لابن النعمان الجميلي ...
    وقال أيضاً وأعني الحلاج : ( أيهــــا الـنـاس ، اعلموا أن الله قد أباح لكم دمى فاقتلوني ، اقتلوني تؤجروا وأسترح ، اقتلوني تكتبوا عند الله مجاهدين وأكتب أنا شهيد ) [ أي أحقق الشهادة التامة بعد "المشاهدة المعنوية" باليقين ] ) ، ورد في "هتك الأستار" { ص : 15} لعبد الغني النابلسي ، وفي "الأسفار الأربعة" { ص : 25 } للشيرازي ...
    أُقْتُلُوني يا ثقاتـــي إنّ في قتـْلي حياتــــي
    ولكن يبدو أن الحلاج في خلوته الكبرى في السجن التي استمرت تسعة سنوات بلغ مقام الصديقية ؟؟؟ !! ...
    يقول أبو عبد الله "محمد بن حفيف" : ( الحسين بن منصور ، عالم رباني ) ، ورد في "طبقات الصوفية " للسلمي { ص : 308 } ...
    فنحن قلنا أن الجمع هو الولاية أما عين الجمع فهو جوهر أو لب الجمع وهي الصديقية ، ولكن الحلاج قبض بالقصاص ، لأنه عمري ما كان ليصمت ؟؟؟ !!! ...
    يقول سيدنا أبو هريرة رضي الله عنه : ( أخذت عن رسول الله وعاءين ، وعاء بثثته ، ووعاء لو بثثته لقطع عني الحلقوم ) ، رواه البخاري في الصحيح ...
    نهاية الفصل الأول من الجزء الثاني ...


    _________________
    خليفتي كذاتي
    avatar
    Admin
    Admin

    المساهمات : 1949
    تاريخ التسجيل : 10/01/2008

    معضلة الحلاج بين الواقع و التلفيق [ ج 2 / ف 2 ]

    مُساهمة  Admin في الأربعاء مارس 28, 2012 7:07 pm

    ذكر عن القاضي أبي بكر بن الحداد المصري ، قال :
    لما كانت الليلة التي قتل في صبيحتها الحلاج قام ، واستقبل القبلة متوشحاً بردائه ، ورفع يديه ، وتكلم بكلام كثير جاوز الحفظ ...
    فكان مما حفظته منه أن قال :
    ( نحن بشواهدك نلوذ ، وبسَنا عزَّتك نستضيء ، لتبدي ما شئت من شأنك ، و أنت الذي فيالسماء إله وفي الأرض إله ،تتجلى كما تشاء مثل تجليك في مشيئتك ، كأحسن صورة فيها الروح الناطقة بالعلم و بالبيان والقدرة و البرهان ، يا مدهِّر الدهور ومصوِّر الصور، يا من ذلَّت لهالجواهر، وسجدت له الأعراض ، وانعقدت بأمره الأجسام ، وتصوَّرت عنده الأحكام ) ، ورد في "أخبار الحلاج" للساعي { ص : 65 } ...
    وعن علي بن مردويه قال : سمعت الحسين بن منصور قد سلم عل الصلاة فقال :
    ( اللهم أنت الواحد الذي لا يقوم به ناقص ، و الأحد الذي لا يدركه غائص ، وأنت في السماء إله و في الأرض إله ...
    أسالك بنور وجهك الذي أضاءت به قلوب العارفين ، وأظلمت منه أرواح المتمردين ، أسألك بنور قدسك الذي تفردت به عمن سواك ، أن تنجني من حيرتي وغمرة فكرتي وسوء وحشتي ، وأن تؤنسني بلذة مناجاتك ، يا أرحم الراحمين ، وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبة أجمعين و الحمد لله رب العالمين ) ، ورد في "أخبار الحلاج" للساعي { ص : 70 } ...
    وقال ابن تيمية رحمه الله: ( مَنْ اعْتَقَدَ مَا يَعْتَقِدُهُ الْحَلاجُ مِنْ الْمَقَالاتِالَّتِي قُتِلَ الْحَلاجُ عَلَيْهَا فَهُوَ كَافِرٌ مُرْتَدٌّ بِاتِّفَاقِالْمُسْلِمِينَ ; فَإِنَّ الْمُسْلِمِينَ إنَّمَا قَتَلُوهُ عَلَى الْحُلُولِوَالاتِّحَادِ وَنَحْوِ ذَلِكَ مِنْ مَقَالاتِ أَهْلِ الزَّنْدَقَةِ وَالإِلْحَادِ كَقَوْلِهِ : أَنَا اللَّهُ . وَقَوْلِهِ : إلَهٌ فِي السَّمَاءِ وَإِلَهٌ فِيالأَرْضِ . . . وَالْحَلاجُ كَانَتْ لَهُ مخاريق وَأَنْوَاعٌ مِنْ السِّحْرِ وَلَهُ كُتُبٌ مَنْسُوبَةٌ إلَيْهِ فِي السِّحْرِ . وَبِالْجُمْلَةِ فَلا خِلافَ بَيْنِالأُمَّةِ أَنَّ مَنْ قَالَ بِحُلُولِ اللَّهِ فِي الْبَشَرِ وَاتِّحَادِهِ بِهِوَأَنَّ الْبَشَرَ يَكُونُ إلَهًا وَهَذَا مِنْ الآلِهَةِ : فَهُوَ كَافِرٌ مُبَاحُ الدَّمِ وَعَلَى هَذَا قُتِلَ الْحَلاجُ )، مجموع الفتاوى [ 2/480] ...

    إن ابن تيمية رحمه الله ، و الذهبي و ابن كثير وغيرهم من العلماء المتحققين ، بنو حكمهم على وقائع ومعطيات ظاهرة توفرت لديهم ، لأنه لم يقوم أحد في بحث قضية الحلاج وتبرئته في ذلك الوقت ...
    و ابن تيمية رحمه الله ، ذكى أكثر أئمة التصوف لكنه كان عالم إفتاء يبني إفتائه على ما يتوفر عنده من القرائن و الأدلة و الوثائق المادية ...

    قالابنتيميةفي" مجموع الفتاوى" [ج2/ص452]


    )أنهمْ مشائخ الإسلام وأئمة الهدى الَّذيْن جعلَ اللّهُ تعالَى لهم لسْانصدق في الأمةِ ،مثْلَ سعْيد بنُ المسيبِ، والحسْن البصريِّ ، وعمرْ بنُ عبدالعزيز، ومالْك بنُ أنسْ، والأوزاعي ، وإبراهيْم بنْ أدهم ، وسفْيانالثوري،والفضيّل بنُ عياض، ومعروف الكرّخْي، والشافعي،وأبيسليْمان ، وأحمد بنَ حنبل،وبشرُ الحافي، وعبد اللّهِ بنُ المبارك، وشقيّقالبلّخِي، ومن لا يحصَّى كثرة.


    إلى مثْلَ المتأخرينَ: مثْلَ الجنيد بن محمد القواريري،وسهَلْ بنُ عبد اللّهِ التسْتري، وعمرُ بنُ عثمان المكي، ومن بعدهم ـإلىأبي طالبَ المكي إلى مثْل الشيْخ عبد القادرِ الكيلاني، والشّيْخ عدّي، والشيْخ أبيالبيْان، والشيخ أبي مدين، والشيخ عقيل، والشيخ أبي الوفاء، والشيخ رسلان، والشيخعبد الرحيم، والشيخ عبد الله اليونيني، والشيخ القرشي، وأمثال هؤلاء المشايخالذين كانوا بالحجْازِ والشّام والعرْاق، ومصْر والمغرْب وخرّاسْان، من الأوليْنِوالآخريْنِ) …



    يقول صلى الله وسلم : ( إن أهل الدرجات العلى يراهم من أسفل منهم كما ترون الكوكب الطالع في أفق السماء ، و إن أبا بكر و عمر منهم و أنعما ) ، رواه احمد في "مسنده" ، والترمذي وابن ماجه في " السنن" ، وابن حبان في "صحيحة" ، وصححه الألباني في "صحيح ابن ماجه" ...

    أما فتوى الدكتور "محمد سعيد رمضان البوطي" حفظة الله ...
    حول تكفير الحلاج ...
    فهي مبنية على فكر البوطي الفلسفي فقد درس البوطي الدكتورة في الفلسفة الإسلامية في جامعة "السيربون " في باريس وتم تدريسه نظرية المستشرق الفرنسي " لويس ماسينيون " الذي تكلم حول الحلاج على أنه عندما تحرر من قيود الجماعة الصوفية وصل إلى تحقيق النظرية الحلولية النصرانية كما في السيد المسيح بأن الله انحل به ، وانتهى على خشبة الصلب حاملاً ومكفراً لذنوب قومه كما حمل المسيح ذنوب النصارى من قبل ؟؟!!! ...
    وهي نظرية تدرس عند النصارى في كنائسهم أيضاً ، ويصفون الحلاج ، بشهيد الحب الإلهي ...
    ويعتبر البوطي وهو محق أن هذه النظرية كفر لأنها تدعم العقيدة النصرانية ، ومن هنا أطلق حكمه على الحلاج بالكفر ...
    قصاص الحلاج هل كان عادلاً :
    حول علاقته مع الشيعة بأنه نصير القرامطة ، فهي شائعة لفقها له الشيعة أنفسهم ، لكشفه لعقائدهم الخبيثة ومحاربة مبدأ "الإمام المعصوم" عندهم ، ومعارضته للإمامة الاثنا عشرية في مدينة "قم" الفارسية ...
    واستمالته لكثير من أتباع التشيع بأن الولاية ليست حكر على آل البيت الأطهار بل هي هبة الله لمن يشاء من عباده الصادقين ...
    يقول صلى الله عليه وسلم : ( إن الصدق يهدي إلى البر وإن البر يهدي إلى الجنة ، و إن الرجل ليصدق حتى يكتب عند الله صديقا ) ، رواه الشيخان في "الصحيح" ، وأبو داود وابن ماجه والدارمي في "السنن" ، وابن حبان في "صحيحة" ، و الحاكم في"مستدركه" ، وأحمد في "مسنده" ، و البيهقي في "الشعب" و " السنن الكبرى" ، ورواه غيرهم ، حكمه بالإجماع : { متفق عليه } ...
    وهنا كانت ردة فعل الشيعة أنهم أبعدوه واعني أئمة الشيعة و هددوه بالقتل واتهموه بمعاداته لله ورسوله صلى الله عليه وسلم ...
    وظهر عدائهم له جلياً عندما استلم الشيعي "ابن الفرات" وزارة الخلافة ، وزج بالحلاج بالسجن عام 296 هـ بتهمة تعاونه من الحنابلة ضد الخلافة حتى أبعد عن الوزارة ...
    وعندما عاد لوزارته من جديد جدد قضية الحلاج وسجنه من جديد عام 301 هـ واستمر بعدها حبسه تسعة سنوات حتى قتل في زمن الوزير "حامد بن العباس" ...
    وكان الغرض من سجنه من قبل الشيعة هو إبعاده عن ساحة الدعوة حتى لا يشكل خطر عقائدي عليهم ...
    يقول الله تعالى : ( إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ ) [الحج : 38] ...
    وقوله عز من قائل : ( ثُمَّ نُنَجِّي رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُواْ كَذَلِكَ حَقّاً عَلَيْنَا نُنجِ الْمُؤْمِنِينَ ) [يونس : 103]
    هل دافع الله عن الحلاج وأناجه ، الجواب نعم فقد قيض له ، في المرة الأولى القاضي "ابن السريج الشافي " ليوقف قصاص القاضي "محمد بن داود" بتهمة الزندقة للحلاج ...
    ثم قيض الله له ابن عم الوزير القنائي ، ليفك حبسه بعد أن سجن بتهمة تورطه مع الحنابلة في المحاولة الأولى للإطاحة بالحكم العباسي عام 296 هـ ...
    ويبدو أن الله كان يعرض الحلاج لهذه المحن ليرقي إيمانه بالصبر على البلاء ، كما ورد بالأثر : ( إن الله إذا أحب عبدا ابتلاه وإذا ابتلاه صبره ) ...
    ولنا في قصة النبي يوسف عليه الصلاة و السلام مثلاً للارتقاء بمراتب الإيمان حيث أرتقا لمرتبة نبي وهو في السجن ثم أصبح ملك نبيا ...
    وفي محنته الثالثة قيض له الحنابلة في ثورتهم الثانية ففتحوا السجون عام 307 هـ ، لكن الحلاج رفض الهروب من حبسه ، فقد خمدت همته ، لأنه وجد أن دعوته للإصلاح أصبحت عقيمة ودخلت في طور الفتنة بعد أن تبددت مساعيه بالإصلاح ، فأثر التنسك و العبادة على الاختلاط بالناس وآثر الصمت على الكلام ، رغم أنه كان من الرموز الروحية للحنابلة ...
    لقد تعشق الارتقاء في مراتب الولاية تماماً كالغزالي الذي اعتزل الناس في آخر حياته لمدة عشرة سنوات ليخرج بعدها عالم رباني ...
    إلا أنه قبل محنته الأخيرة وأعني الحلاج فقد رغبته بالحياة ؟؟ !!! ...
    متأملاً من الله يجتبيه من أوحال التوحيد إلى أنوار التفريد ، وأن يغفر له خطيئته بالخروج عن بيعة أشياخه وانشقاقه عن الجماعة ، وشق عصى الطاعة على سلطة الأمير الحاكم ...
    ففي يوم قتله صلى ركعتين لله شكراً أن من عليه بالمغفرة بالقصاص ؟؟ !!! ...
    ثم ناجى الله قائلاً : ( اللهم أنت المتجلي على كل جهة المتخلي عن كل ، بحق قيامك بحقي [ المغفرة و الرحمة ] وقيامي بحقك [ توحيد الإلوهية ] ، وقيامي بحقك يخالف قيامي بحقك [ أي أنت الرب المتفضل وأنا عبد المتذلل ] ...
    فإن قيامي بحقك ناسوتية [ عبادة بشر خطاء ] ، وقيامك بحقي لاهوتية...
    وكما أن ناسوتيتي مستهلكة في لاهوتيتك [ غلبة الروح الرحمانية على النفس الإنسانية ] غير ممازجة إياها ، فلاهوتيتك مستولية على ناسوتيتي غير ماسة لها [ بالقدرة والقهر " وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ" {الأنعام : 18} ] ...
    وبحق قدمك على حدثي ، وحق حدثي تحت ملابس قدمك [ حق ما قدمت لي من لباس المغفرة و التقوى والإيمان " يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاساً يُوَارِي سَوْءَاتِكُمْ وَرِيشاً وَلِبَاسُ التَّقْوَىَ ذَلِكَ خَيْرٌ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ " { الأعراف : 26} ] ، أن ترزقني شكر هذه النعمة [ حقيقةالشكر هي نسب الفضل و الفعل وإرجاعه بكليته للهوحده ] التي أنعمت بها علي حيث غيبت [ بالمغفرة ] أغياري [ كل ما غير الله وحال دون التوحيد ] عما كشفت لي من مطالع وجهك [ معرفة حقيقة أسمائك وصفاتك ] وحرمت على غيري ما أنجت لي [ حلاوة الإيمان " لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُواْ {المائدة : 93} ] من النظر في مكنونات سرك [ حقيقة الإيمان ] ، وهؤلاء عبادك قد اجتمعوا لقتلي مقصاً لدينك وتقرباً إليك ، فاغفر لهم ، فإنك لو كشفت لهم ما كشفت لي [ أن القصاص لي مغفرة] لما فعلوا ما فعلوا ، ولو سترت عني ما سترت عنهم [ ما أعددت لي من فضل الآخرة ] لما ابتليت بما ابتليت [ ضياء الصبر" وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَاْ أُولِيْ الأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ" {البقرة : 179}أي حياة لقلوبكم بالتقوى ] ، فلك الحمد فيما تفعل و لك الحمد فيما تريد ) ...
    ثم سكت وناجى سراً ...
    فتقدم أبو الحارث السياف فلطمه لطمه هشم أنفه وسال الدم على شيبه...
    فصاح الشبلي ومزق ثوبه وغشي عليه و على أبي الحسين الواسطي وعلى جماعة من الفقراء المشهورين. وكادت الفتنة تهيج ففعل أصحاب الحرس ما فعلوا ) ورد في " الفواتح السبع" { ص : 75 } للقاضي الميبذي ، وفي "مرصاد العباد" { ص : 66 } لنجم الدين الرازي ...
    وهنا صيحة أبو بكر الشبلي لم تكن حزنناً على أخاه بالدين ...
    وإنما الشبلي شهد أن القاضي و الجلاد هو الله ؟؟ !! ، فصعق إجلالاً وإكباراً لعظمة الإلوهية ، فأضحى من حينها عارفاً بالله يشار إليه بالبنان وعاد إلى جادة الصواب ...
    وكان يقول : ( أنا والحلاج شيء واحد، فأهلكه عقله و خلصني جنوني ! ) ...
    ولو تأملنا بدقة في مسيرة أحداث قتل الحلاج لوجدنا أن قتل الحلاج كان في صبيحة يوم موته وليس ليلاً وصلب وقطعت أطرافه كما يروج المؤرخون و المستشرقون ؟؟؟ !!! ...
    وكان مقرر أن يجلد ألف جلده على مرأى الناس حتى يهان ويعلن توبته أمام ذويه وأتباعه وشيعته ، لكن ذلك لم يحدث نتيجة الفوضى التي أحدثها الناس بعد أن لطمه الجلاد حيث اطر الحرس إلى الإسراع في قتله ، كبحاً للهياج ، وتركوا جثمانه الشريف حتى يأمنوا ثورة الناس ...
    فهو شهيد الأولياء ...
    وأكبر دليل على عدم مصداقية حرق الحلاج ونثر رماده في يوم عاصف من فوق منارة أو رمي الرماد في دجله أن للحلاج قبر موجود في العراق ...
    لأن هذه التفاصيل حول قتله وثقها المستشرق الفرنسي ذو الأصول اليهودية "لويس ماسينيون" ليوثق كما أسلفنا عقيدة التطهير النصرانية ...
    ولكن الحق أن الحنابلة انتقموا من الوزير حامد شر انتقام حيث قطعوا أطرافه وحرقوه به منزله ؟؟؟ !!! ...
    نهاية الفصل الثاني من الجزء الثاني ...


    _________________
    خليفتي كذاتي
    avatar
    Admin
    Admin

    المساهمات : 1949
    تاريخ التسجيل : 10/01/2008

    معضلة الحلاج بين الواقع و التلفيق [ ج 2 / ف 3 ]

    مُساهمة  Admin في الأربعاء مارس 28, 2012 7:09 pm

    مخالفات الحلاج الشرعية :
    يقول الإمام التقي الورع " عبد القادر الجيلاني " طيب الله ثراه في شأن الحلاج : ( اقتص منه بمقص الشريعة ) ...
    قال ابن الملقن في طبقات الأولياء : ( قتل بسيف الشرع ببغداد ) ...
    و السبب أن الحلاج خرج عن نهج الجماعة وطاعة مرشديه المربين ثم طاعة ولي الأمر ...
    فلم يطع مرشده "عمرو بن عثمان المكي" في عدم الدفاع عن ثورة المحرومين ، لأن في ذلك معادة للخلافة الإسلامية ، إضافة لمخالفته له ، بأنه كان يفسر القرآن ويكتب في ذلك مدونات ، أما أنه كان يكتب السحر فهو أمر مرفوض فمن أين تلقى تعليمه ولماذا ؟؟ !!! ...
    فعندما لزم المكي كان عمره سبعة عشر عاماً وبقي لديه سنة أو سنتين ...
    ولماذا لم يحاكم على أنه ساحر ؟؟؟ !!! ...
    قال محمد بن يحيى الرازي : ( سمعت عمرو بن عثمان يلعن الحلاج ويقول : لو قدرت عليه لقتلته بيدي فقلت : أيش وجد الشيخ عليه قال : قرأت آية من كتاب الله فقال : يمكنني أن أؤلف مثله) [ سير أعلام النبلاء ص 330 / 14 ، والمنتظم في تاريخ الملوك والأمم ص 203 / 13 ] ...
    يقول المصطفى صلى الله عليه وسلم : ( ألا أني أوتيت القرآن ومثله معه ) ، رواه أبو داود في "سننه" ، بلفظ ( أوتيت الكتاب) ، و رواه الشوكاني في "فتح القدير" ، وابن القيم بلفظ أبو داود ، وقال : صحيح ، وصححه الألباني في "صحيح أبي داوود" ...
    ومثله معه في هذا الحديث أي بيانه ...
    يقول الله تعالى : ( َمَا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلاَّ لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُواْ فِيهِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ) [النحل : 64]
    والحلاج أخذ أصول التفسير منذ نعومة أظفاره من العارف بالله "سهل التستري" رضي الله عنه ...
    قال الإمام القشيري رحمه الله في رسالته : ( ومن المشهور أن عمر بن عثمان المكي رأى الحسين بن منصور يكتب شيئاً، فقال. ما هذا؟ فقال : هو ذا أُعارض القرآن ، فدعا عليه وهجره؛ قال الشيوخ إن ما حل به بعد طول المدة كان لدعاء ذلك الشيخ عليه ) [ الرسالة ص 503 ، تحقيق عبد الحليم محمود] ...
    الحنابلة و منهم عمرو المكي كانوا ضد أن يفسر القرآن بغير هدي النبوة ، وهو سر اهتمام الإمام الكبير " أحمد بن حنبل " رضي الله عنه ...
    و كانوا لا يأخذون من غير الحديث الشريف في القرآن ، إلا بتأويل البيان الخاص بإمام التأويل سيدنا علي كرم الله وجهه ، وهو تأويل القرآن بالقرآن ...
    والأمام أحمد رضي الله عنه محق لحد كبير في هذا الاعتقاد المبني على الورع ، ومنبت تخوفه أن يفسر أو يؤول من غير آهلة ، ومن قبل الغالين ...
    يقول صلى الله عليه وسلم : ( يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله ينفون عنه تحريف الجاهلين وانتحال المبطلين وتأويل الغالين ) ، رواه الإمام أحمد في "تاريخ دمشق" ، وقال إسناده صحيح ...
    لذلك كان الحنابلة يرون أن تفسير القرآن من غير منابعه من خلال شرح الحديث الشريف لقول ترجمان السنة كرم الله وجهه : ( السنة شرح الكتاب فمن ضل عن السنة ضل عن الكتاب ) ...
    أو بتفسير القرآن بالقرآن كما يقول إمام التأويل كرم الله وجهه : ( أفضل البيان ، تأويل القرآن بالقرآن ) ...
    لذلك أي تفسير غير ذلك هو معارض للكتاب ويعتبر بمثابة أبتداع قرآن جديد ...
    وقد أخذ الحلاج كما أسلفنا أصول التفسير من معلمه الأول العارف بالله "سهل بن عبد الله التستري" رضي الله عنه ، لكنه عندما كتب به كان حدث لم يتجاوز عمره 20 عام وهو سبب إضافي لإنكار معلمه الثاني عليه ...
    وقال كلمة أعارض تهكماً لأنه كان حدث و الشباب شعبة من شعب الجنون ...
    و الحق أنها كانت تصرف خاطئ دفعه حماسة الشباب ورعونته من الحلاج مع معلمه ...
    يقول صلى الله عليه وسلم : ( من رأى من أميره شيئا يكرهه فليصبر ، فإنه ليس أحد يفارق الجماعة شبرا فيموت ، إلا مات ميتة جاهلية ) ، رواه البخاري في "صحيحة" ...
    إلا أنه على ما يبدو أن الحلاج توقف عن التفسير عندما أنضم للحنابلة في النهاية ، لأنه لم يثبت له تفسير كامل للقرآن ...
    ولم يطع مرشده المربي " الجنيد البغدادي" بالكف عن محاربة المترفين المداهنين من أعوان السلطة ...
    يقول صلى الله عليه وسلم : ( من مات بغير إمام فقد مات ميتة جاهلية ، ومن نزع يده من طاعة, جاء يوم القيامة لا حجة له ) ، رواه أبو نعيم في "الحلية" ، وقال : صحيح ثابت ، و الوادعي في "الصحيح المسند" ، وقال : حسن حتى لفظ ( ميتة الجاهلية ) ، وقال الألباني في لفظ ( وليس عليه إمام ) ، إسناده جيد في "تخريج كتب السنة" ...
    ويقول سلطان العارفين "أبو يزيد البسطامي" رضي الله عنه : ( من لم يكن له أستاذ ، فإمامه الشيطان ) ...
    يقول صلى الله عليه وسلم : ( من أطاعني فقد أطاع الله ومن عصاني فقد عصى الله ومن أطاع أميري فقد أطاعني ومن عصى أميري فقد عصاني ) ، رواه البخاري في "الصحيح" ...
    وبمعارضة إمام الطائفتين " أبو القاسم الجنيد " خرج عن الجماعة وفقد تأيد الله له ...
    يقول صلى الله عليه وسلم : ( ثلاث لا يفل عليهن قلب المؤمن إخلاص العمل لله و النصيحة لولاة الأمر ، والاعتصام بالجماعة ) ، صححه الألباني في "تخريج كتاب السنة " ...
    و الحلاج هنا أخذ باثنتين وفقد واحده وهي الاعتصام بالجماعة ...
    يقول صلى الله عليه وسلم : ( من خرج من الطاعة ، وفارق الجماعة ، فمات ، مات ميتة جاهلية . ومن قاتل تحت راية عميه ، يغضب لعصبة ، أو يدعو إلى عصبة ، أو ينصر عصبة ، فقتل ، فقتلة جاهلية . ومن خرج على أمتي ، يضرب برها وفاجرها . ولا يتحاش من مؤمنها ، ولا يفي لذي عهد عهده ، فليس مني ولست منه . وفي رواية : لا يتحاشى من مؤمنها ) ، رواه مسلم في "صحيحة" ...
    يقول صلى الله عليه وسلم : ( ستكون بعدي هنات وهنات، فمن رأيتموه فارق الجماعة، أو يريد أن يفرق أمر أمة محمد كائنا من كان فاقتلوه ؛ فإن يد الله مع الجماعة، و إن الشيطان مع من فارق الجماعة يركض ) ، رواه السيوطي في "الجامع الصغير" ، وقال : صحيح ، وصححه الألباني في "صحيح الجامع" ...
    ويقول الله تعالى في كتابه العزيز : ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً ) [النساء : 59] ...
    ويشمل ذلك الأمير الحاكم ...
    و يقول صلى الله عليه وسلم : ( يكون بعدي أئمة لا يهتدون بهداي ولا يستنون بسنتي وسيقوم فيهم رجال قلوبهم قلوب الشياطين ، في جثمان إنس قال "حذيفة" قلت : كيف أصنع يا رسول الله ؟ إن أدركت ذلك ؟؟ ، قال : ( تسمع وتطيع وإن ضرب ظهرك وأخذ مالك , فاسمع وأطع ) ، رواه مسلم في "صحيحة" ...
    و يقول صلى الله عليه وسلم : ( اسمعوا وأطيعوا ، وإن استعمل عليكم عبد حبشي ، كأن رأسه زبيبة ) ، رواه البخاري في "صحيحة" ...
    وهو سبب صريح لقصاص الحلاج ؟؟ !!! ...
    لذلك قال له الإمام الجنيد رضي الله عنه : ( لقد أحدثت في الإسلام ثغرة [ بخروجه عن أميره وجماعته ] ، لن يسدها إلا راسك ) ...
    فالشيخ المرشد في الحقيقة مركب العبور الموصل إلى سفينة النجاة المتمثلة بتبعية الرسول الكريم والتأسي و الإقتداء به عليه الصلاة و السلام ...
    ولكن ما يبرئ ساحة الحلاج لحد كبير حسن نواياه ؟؟ !!! ...
    إضافة لكونه طفرة إيمانية فعاله في إحقاق الحق وإصلاح الفساد العقائدي و الاجتماعي ...
    يقول صلى الله عليه وسلم : ( إنما الأعمال بالنيات ، وإنما لكل امرئ ما نوى ، فمن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها ، أو إلى امرأة ينكحها ، فهجرته إلى ما هاجر إليه ) ، رواه البخاري في "صحيحة" ...
    ولكن هذه النوايا يحاسب عليهما الله لا الشرع و المجتمع ...
    و الخلاصة أن الإمام الحلاج كان له ثلاثة مخالفات شرعية هي :
    1.الخروج عن الجماعة ، والاستقلال بالدعوة إلى الإصلاح مع الالتزام بثوابت الدين ...
    2.الخروج و المخالفة لرغبة الأمير العالم ، في التوقف عن الفتنة ...
    3.الخروج عن سلطة الأمير الحاكم ...
    ولم يقيض الله له من يؤيده من كبار العارفين الربانين فالجنيد مات ، والجيلاني لم يعاصره ...
    يقول الإمام التقي الورع "عبد القادر الجيلاني" رحمه الله : ( عثر الحلاج ولم يكن له من يأخذ بيده ، ولو أدركت زمانه لأخذت بيده ) ، الموسوعة الشاملة " حياة الحيوان الكبرى" للدميري { ج 1 / ص : 245 } ...

    مؤيدات دعوة الحلاج الإصلاحية :
    كان مؤيد الحلاج هو ، إتباعه لقول سيد المرسلين صلى الله عليه وآله وسلم : ( من رأى منكم منكرا فليغيره بيده . فإن لم يستطع فبلسانه . فإن لم يستطع فبقلبه . وذلك أضعف الإيمان ) ،رواه مسلم في "صحيحة" ، و الإمام أحمد في "مسنده" ، و النسائي في "سننه الكبرى" ، و البيهقي في "سننه الكبرى" و"شعب الإيمان" ، وابن العربي في "أحكام القرآن" ، وقال : إسناده صحيح ...
    ولكن هذا الحديث له تأويل فريد فالتغير هنا على قدر القدرة على التغير ؟! ...

    فالذي يستطيع أن يغير بيده هو صاحب السلطة التنفيذية ، أي المؤمن الحاكم ...
    وهو إما السلطان ، أي ظل الله في الأرض ...
    لقوله صلى الله عليه وآله وسلم : ( ليوم من سلطان عادل أفضل من عبادة سبعين سنة ) ، رواه العراقي في "تخريج الإحياء" ، وقال : إسناده حسن بلفظ ( ستين ) ...
    و قوله صلى الله عليه وآله وسلم : ( إن أحب الناس إلى الله يوم القيامة وأدناهم منه مجلسا إمام عادل ، وأبغض الناس إلى الله وأبعدهم منه مجلسا إمام جائر ) ، رواه الترمذي في "سننه" ، و المنذري في "الترغيب و الترهيب" ، وقال : إسناده صحيح ....
    أو القاضي و هو عدل الله في الأرض ...
    يقول الله تعالى : ( .... وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُواْ بِالْعَدْلِ إِنَّ اللّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُم بِهِ إِنَّ اللّهَ كَانَ سَمِيعاً بَصِيراً ) [النساء : 58] صدق الله العظيم ...

    والذي يستطيع أن يغير بلسانه فهو صاحب السلطة الدعوية ، أي المؤمن العالم ...
    وهو ما ينطبق على الحلاج ؟!!! ...
    قال صلى الله عليه وآله وسلم : ( من دعا إلى هدى ، كان له من الأجر مثل أجور من تبعه ، لا ينقص ذلك من أجورهم شيئا . ومن دعا إلى ضلالة ، كان عليه من الإثم مثل آثام من تبعه ، لا ينقص ذلك من آثامهم شيئا ) ، رواه مسلم في "صحيحة" ، و أبو داود في "سننه" ...
    يقول الله تعالى : ( وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِّمَّن دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ ) [فصلت : 33] صدق الله العظيم ...
    وهم الحجة في كل قرن ...
    لقوله تعالى : (وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ) [آل عمران : 104] صدق الله العظيم ...

    و الذي يستطيع أن يغير بقلبه فهو صاحب السلطة الذاتية ، أي المؤمن العابد ...
    يقول المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم : ( إذا رأيت شحا مطاعا وهوى متبعا ودنيا مؤثرة وإعجاب كل ذي رأي برأيه ورأيت أمرا لا بد لك منه فعليك بنفسك وإياك وأمر العوام فإن من ورائكم أيام الصبر صبر فيهن على مثل قبض على الجمر للعامل منكم يومئذ كأجر خمسين رجلا يعملون مثل عمله ) ، رواه الترمذي و أبو داود و ابن ماجه في "سننهم" ، و ابن حبان في "صحيحة" ، و البيهقي في "سننه الكبرى" و "شعب الإيمان" ، والطبري في "معجمه الكبير" و الطحاوي في "شرح مشاكل الآثار" ، وقال : صحيح ، و المنذري في "الترغيب و الترهيب" ، وقال إسناده صحيح ، اختلف أكثرهم ببعض الفظ مع تمام المضمون...
    ويؤكد ذلك كله قوله تعالى : ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ لاَ يَضُرُّكُم مَّن ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ إِلَى اللّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ) [المائدة : 105] صدق الله العظيم ...
    أما كلمة الحق عند سلطان جائر ...
    سئل النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، أي الجهاد أفضل ، قال : ( كلمة حق عند سلطان جائر) ، رواه النسائي في "سننه الكبرى" و "المجتبى" ، والإمام أحمد في "مسنده" ، و النووي في "تحقيق رياض الصالحين" ، و المنذري في "الترغيب و الترهيب" ، و الدمياطي في "المتجر الرابح" ، وأجمعوا على أن إسناده صحيح ...
    أما كلمة الحق هذه فتكون في تطبيق قوله تعالى : ( ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ ) [النحل : 125] صدق الله العظيم ...
    فإن غضب السلطان لا يصان ، والعين لا تقاوم المخرز ...
    يقول الله تعالى : ( وَأَنفِقُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوَاْ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ) [البقرة : 195] ...
    نهاية الفصل الثالث والأخير من الجزء الثاني ...


    _________________
    خليفتي كذاتي

      الوقت/التاريخ الآن هو الجمعة أكتوبر 19, 2018 6:00 pm